طباعة اتصل بنا أرسل إلى صديق الرئيسية  
  من نحن
  وثائق الحركة
  مقالات
  أخبار
  أرشيف المقالات
  أرشيف نشرة البديل
  مفاهيم ومصطلحات
  حوارات
  مكتبة البديل
  مساهمات الزوار
  روابط
  اتصل بنا
  إرسال مساهمة
  ثقافة وفنون بديلة
أرشيف و مقالات الدكتور عصام الزعيم
صعود الصين وتحولها: الأبعاد والافاق /د.عصام الزعيم
نقد اقتصادي واستراتيجي للتقلب والارتداد في سياسات وقرارات الإصلاح في القطاع العام الصناعي* /د.عصام الزعيم
توحيد الاقتصادات العربية إنمائيا والفعل التناقضي للعولمة/د.عصام الزعيم
أرشيف مقالات النقابي عمر قشاش
البطالة واستيراد العمالة الأجنبية/عمر قشاش
ملاحظات عامة حول اللقاء والحوار بين الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال
المرسوم 49
الأوراق المقدمة للاجتماع الموسع للعام 2007
انتخابات 2009: مشاهد من الصراع الطبقي في لبنان/باسم شيت
بقلم باسم شيت 2009-06-29



قد تكون المعركة الانتخابية القادمة الأبرز في تاريخ لبنان بعد الحرب الأهلية التي امتدت من ١٩٧٥ إلى العام ١٩٩٠، وانتهت بشكلها العسكري مع اتفاق الطائف، الذي ثبّت أمراء الحرب الأهلية في سدة السلطة والدولة. أهمية هذه الانتخابات أنها تشهد على تغيّرات في المجتمع اللبناني وفي واقع القوى المسيطرة: صعود تيارات سياسية جديدة في الثمانينيات والتسعينات من القرن الماضي كحزب الله والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل، طرد الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب عام ٢٠٠٠ (ما عدا مزارع شبعا)، خروج الاحتلال السوري في ٢٠٠٥، وصعود السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي قادها الحريري الأب منذ تسلمه الحكم.


باسم شيت





إذا أردنا تحليل وقراءة تغيّرات كهذه، علينا أولا أن نشير إلى المنهجية التي من خلالها سنبني التحليل.


المنهجية الماركسية في قراءة واقع الأحزاب، الدولة والانتخابات

الأحزاب السياسية في المجتمع الرأسمالي


يقول جون مولينيو في كتابه الشهير "الماركسية والحزب": "بالنسبة للماركسيين، التفسير المباشر لسبب وجود وتعدد الأحزاب السياسية نجده في البنية الاقتصادية للمجتمع، أي في البنية التحتية للمجتمع. تأتي الأحزاب إلى الوجود، وتحشد الدعم الشعبي، وتستمر بالحركة كممثلة لمصالح طبقية، وذلك نتيجة لصراع طبقي متأصل في المجتمع." ولكن هنا علينا الإشارة إلى أن تمثيل الأحزاب لمصالح طبقية معينة لا يعني أن هذا التمثيل مباشر أو واضح وصحيح، وفي جميع الأوقات. كما إن المصالح الطبقية في مسارها التاريخي لا تتمثّل بالضرورة بالمصالح الاقتصادية المباشرة. من جهة أخرى، فان الأفعال والمواقف التي تقوم بها الأحزاب لا يمكن تفسيرها فقط من خلال تواجدها ضمن طبقة معينة.


نجد في التاريخ الكثير من الأمثلة حول تركيبات طبقية/حزبية، فهناك أحزاب تحاول أن تمثّل مصالح طبقتين أو أكثر في نفس الوقت، كالأحزاب الإصلاحية (مثل حزب العمل في بريطانيا)، وهناك أحزاب تمثّل مصالح أجزاء معينة من طبقة أو طبقات عدة، كالأحزاب العنصرية أو الطائفية.


ويجدر بنا أيضا ملاحظة أن الطبقات ليست بهيئات جامدة، بل هي مجموعات اجتماعية تأتي إلى الوجود من خلال سيرورة تاريخية معيّنة وتمر بمراحل نمو ونضوج. ولكن، بشكل عام، تحدد الطبقات نفسها من خلال الصراع وتتأثر فيه، فيتأثر نموها ونضجها. الأفراد في طبقة معينة يشكلون طبقة عندما يتشاركون في الصراع ضد طبقة أخرى. وفي الصراع تربح أو تخسر هذه الطبقات التجانس، التنظيم، القناعة والوعي، أما الأحزاب السياسية فهي أدوات وأسلحة هذا الصراع الطبقي.


الصراع الطبقي يتخذ أشكالا متعددة، فيمكن أن يكون صداماً داخل طبقة واحدة أو صداماً ما بين طبقتين أو أكثر، أو حتّى صداماً ما بين أجزاء من طبقات عدة ضد أجزاء أخرى. فإذا نظرنا إلى الصراع الطبقي كونه صراعاً عامودياً فقط، نسقط في الحتمية الاقتصادية التي هي من أشد الأخطار المنهجية عند اليسار.


الدولة البرجوازية والانتخابات


الانتخابات هي الإطار النظامي للصراع السياسي داخل النظام البرجوازي الديمقراطي، وهي من الأسس التي نشأت عليها مفاهيم الجمهورية البرجوازية في تحديد العلاقة ما بين الفرد والمجتمع. فـالدولة "ليست أبدا سلطة تُفرض على المجتمع من الخارج. وهي ليست كما يقول هيغل "حقيقة أو واقع الفكرة الأخلاقية" أو "صورة وحقيقة المنطق". الدولة هي نتاج للمجتمع في زمن معين من تطوره التاريخي؛ الدولة هي الاعتراف أن هذا المجتمع وصل ليكون متشابكاً في حالة من التناقض لا إمكانية للتوفيق داخله، ومنقسماً إلى أضداد لا تتوافق فيما بينها ولا يمكن الهروب منها. ولكنْ، حتى لا تقوم هذه الأضداد، طبقات ذات مصالح اقتصادية متناقضة، بالتهام نفسها في صراع عقيم، تصبح الحاجة إلى سلطة (أو قوّة) تقف فوق المجتمع ضرورية بهدف إدارة هذا الصراع، وإبقائه ضمد حدود "النظام". وهذه السلطة التي نشأت من المجتمع ولكنها وضعت نفسها فوقه، وهي تتغرّب (أو تبعد نفسها) بشكل متصاعد عنه، هي الدولة." (كارل ماركس، "نقد فلسفة الحق لدى هيغل"، النسخة الألمانية السادسة، في مولينو 1978).


ويقول لينين في كتابه الدولة والثورة: "بالنسبة لماركس، الدولة هي جهاز للحكم الطبقي، جهاز قمع طبقة لأخرى؛ هي خلق لعملية خلق النظام، وتشريع وإدامة هذا القمع من خلال إدارة الصراعات ما بين الطبقات".


ومن هذا المنطلق، الانتخابات جزء من هذا الصراع التي تديره الطبقات الحاكمة، وفقا لقوانينها الخاصة التي تساهم في تثبيت وجودها. هذا لا يعني انعدام إمكانية تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من خلال الانتخابات، لكن هذه المكاسب ستبقى غير قادرة على إحداث أي تغيير في البنية الطبقية للنظام الحاكم. لذا، فان الثورة الطبقية تغدو حاجة وضرورة. وأيضا، هذا لا يعني أنه لا يمكن تحقيق مكاسب تحسّن من ظروف جهوزية الطبقة العاملة في سيرورة بناء الثورة الاشتراكية، بل إنه لا يمكن استبدال الثورة بالانتخابات.


ومن هنا، فإن نظرتنا للانتخابات البرلمانية ضمن الدولة البرجوازية لا تتعدى كونها أداة سياسية يمكن استعمالها في خدمة بناء الثورة الاشتراكية. وقرار المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها يعتمد على إمكانية الاستفادة السياسية منها (من خلال المشاركة أو المقاطعة)، وعلى إمكانية تحسين ظروف المواجهة وظروف التجانس والتنظيم والقناعة والوعي داخل الطبقة التي نناضل من خلالها لتمثيل مصالحها.


لكن التوازن الطبقي والسياسي لوحده لا يحسم لصالح مَن سيربح الانتخابات. في أحيان كثيرة، الخسارة في الانتخابات تؤدي إلى التفاف شعبي حول الخاسر مثلاً (بسبب الرشوة وإلى ما هنالك)، كما يمكن أن تكون المقاطعة طريقة للحشد الجماهيري (كما فعل التيار الوطني الحر في كثير من المعارك الانتخابية الماضية). الانتخابات مساحة محددة في وقت محدد من قبل السلطة البرجوازية من أجل إدارة الصراع السياسي. ومن خلال هذه المنهجية سنقرأ المعركة الانتخابية القادمة ودور اليسار في تحسين ظروف الطبقة العاملة في الصراع والمعادلة السياسية والطبقية.


المعركة الانتخابية اليوم والتغيرات في الواقع المجتمع اللبناني

الحرب الاهلية اللبنانية والسياسيات الاقتصادية النيوليبرالية


اتفاق الطائف كان وسيلة لرفع دور الدولة في إدارة الصراع الطبقي الطائفي على أنه صراع ما بين الطبقات ومن داخلها على أساس فئوي (طائفي). يرجع هذا لأسباب عدة، أبرزها النمو غير المتوازن لهذه الطبقات على أساس فئوي (طائفي)، و قد عبّر الدستور اللبناني عن هذا الواقع في مقدمته: "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام." (مقدّمة الدستور اللبناني، الفقرة ز). هذه الخاصية ليست حكراً على الواقع اللبناني بل موجودة أيضاً على أساس عرقي عنصري في الولايات المتحدة والدول الاوروبية بين البيض والسود مثلاً.


فالنمو غيرالمتوازن هو من صلب النظام الرأسمالي، ضمن عملية النمو والتخلّف، ويسمح بوجود طبقات اخرى غير البروليتاريا والبرجوازية، كالبرجوازية الصغيرة والمزارعين، ولكنّه يقوّض انتشار ووجود هذه الطبقات مع النمو الايجابي للرأسمالية. فانتشار الرأسمال إلى مساحات أوسع يؤدي إلى انحسار البرجوازية الصغيرة (انحسار عدد المحلات الصغيرة مع نشوء مراكز التسوق)، وتضاؤل اعداد المزارعين مع دخول الرأسمالية إلى الاستثمار في الانتاج الزراعي مثلاً (المزارعين الصغار ومالكي المصانع الغذائية والمزارع الكبيرة)، وضمن عملية النمو هذه ينسحب معظم المجتمع إلى طبقتين متضادتين: البروليتاريا والبرجوازية.


نعيش في لبنان في تخلّف اقتصادي واضح، خاصة في ظل غياب أي اقتصاد منتج والاعتماد الكامل على الاستيراد والتمويل الخارجي وعدم توفّر المواد الاولية الكافية لإنتاج قدرة على المنافسة، وخاصة بعد تخلّي السياسات النيوليبرالية عن أي نوع من الحماية الاقتصادية للإنتاج المحلّي. هذا أدى إلى تواجد كثيف لبرجوازية صغيرة تتزايد بشكل أساسي في الضواحي نتيجة لغياب الاستثمار الرأسمالي. أما المزارعون، فعددهم ينحسر عاماً بعد عام، بسبب عدم قدرتهم على المنافسة في السوق وحركة الاستيراد.


وحسب دراسة قامت بها وزارة الشؤون الاجتماعية، فإن ٣٧،٤% من أرباب الأسر اللبنانية يعملون "لأنفسهم" (أي كأصحاب محال تجارية أو سائقين عمومين ومزارعين وصيادين)، بينما ٥٣،٨% هم عمّال وأُجَراء شهريون و ٨،١% هم من أرباب العمل (وزارة الشؤون الاجتماعية، إدارة الإحصاء المركزي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، "الدراسة الوطنية للأحوال المعيشية للأسر 2004"، 2008). وهنا نرى أن البرجوازية الصغيرة والمزارعين يحتلون مكاناً مهماً في الواقع الاقتصادي اللبناني.

من خلال الخصائص التي تقدمت و غيرها يمكن فهم نشوء وصعود التيارات السياسية الأكثر تأثيراً اليوم في المجتمع اللبناني وفي واقعه السياسي.


حزب الله، التيار الوطني الحر وتيار المستقبل


نشا حزب الله في الضاحية الجنوبية التي توسعت بدورها نتيجة لعملية الهجرة الكبيرة للمزارعين الشيعة من الجنوب إليها وإلى عدد من المناطق المتخلّفة اقتصاديا مقارنة بالوضع الاقتصادي لوسط بيروت، كالنبعة وسن الفيل وغيرها.

هذا الواقع الاقتصادي أدّى الى نشوء برجوازية صغيرة، نتيجة لارتفاع البطالة وعدم وجود استثمارات اقتصادية في المنطقة. ومن المعروف أن بنية حزب الله بدأت مع ضخ المساعدات الاجتماعية والاقتصادية والخدمات في الضاحية الجنوبية بدعم من إيران، وأن الحزب تموضع منذ البداية ضمن البرجوازية الصغيرة الشيعية، فقام بجمع المساعدات منها واعتبرها الطبقة القيّمة على المجتمع. ولعل مناشدة الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله لأحرار العالم بالتضامن مع "الفقراء والمحرومين" تعبّر بصراحة عن عدم تموضع الحزب في طبقة واحدة.


فالفقر والحرمان ليسا حكراً على طبقة دون غيرها، فقد يُحرم برجوازي معيّن من قدرته على المنافسة بسبب احتكار فئة معيّنة من البرجوازيين لسوق معيّن؛ و قد يُبعد مزارع عن خدمات الدولة. ولكن أيضاً، هذه المناشدة ذات وجه ديني وطائفي، إذ تخاطب الأجزاء الشيعية من هذه الطبقات المتضررة.


في الوقت نفسه، نرى القواعد العليا والوسطى للحزب تنحسر في برجوازية صغيرة وطبقة وسطى شيعية تبدو مصالحها الأكثر تمثيلاً في توجّه حزب الله. هذا يتّضح من خلال المدارس التي يديرها الحزب والتي تخدم أولاد الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة الشيعية، ومن خلال موقفه من الحد الأدنى للأجور الذي قام على ما يسميه "سياسية ترضي العمال وأصحاب العمل"، أي المصالحة ما بين الطبقات، و هو مطلب البرجوازية الصغيرة تاريخياً. وهو كذلك يمثّل شريحة كبيرة من المزارعين وملاّكي الأراضي من الجنوب، الفئة الأكثر تضرراً من الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان.


أما التيار الوطني الحر فيتموضع ضمن الطبقة الوسطى (المدراء والكوادر العليا)، نظراً لنشأته في الكوادر الوسطى والعليا للجيش مثلاً، بالإضافة إلى تمثيله الانتخابي وتواجده في نقابات الأطباء والمهندسين والجامعات، أو في قطاعات المعلومات والاتصالات والإعلام. ويبدو ذلك جلياً من خلال نتائج الانتخابات النقابية (المهنية خاصة) ومن خلال التشكيلة الوزارية الحالية، فخطاب التيار يتوجّه إلى طبقات متضررة من حكم البرجوازية المالية والمصرفية، أي إلى البرجوازيين المسيحيين الذين ضيّق عليهم الحريري من جهة والاحتلال السوري من جهة أخرى، خاصة مع ظهور شرائح وسطى متخصصة لا تجد لنفسها مكاناً في التركيبة الاقتصادية الحالية، ونشوء برجوازية صغيرة مسيحية في القطاعات الجديدة.


التيار لا يمثّل كافة هذه الطبقات، بل يمثّل مصالح أجزاء منها؛ أجزاء طائفية وقطاعية (البرجوازية الصناعية مثلاً)، وهو قادر على تجييش جزء كبير من الطبقة العاملة المسيحية وغيرها من خلال وعد إصلاحي غير واضح يتمثّل حتى الآن بتوسيع سوق الاتصالات وتسهيل الوصول إليه، ولكنه لا يتكلّم حول الأجور مثلاً.


من هنا نرى أن التلاقي بين التيار وحزب الله لم يكن غريباً، لما يربطهما من مصالح اقتصادية مشتركة. فجزء من العمال والطبقة الوسطى الشيعية يعملون لدى البرجوازية الصغيرة المسيحية (العمال التقنيين في شركات المعلوماتية، عمّال المطاعم، وغيرهم)، أضف إلى ذلك الثقل الذي يمثّله كلاهما على صعيد المدن والضواحي، حيث الثقل السياسي الأساسي وليس بالضرورة الانتخابي (الضاحية الجنوبية، النبعة، سن الفيل، المتن مثلاً).


في المقابل نجد التمثيل الشعبي لأحزاب أخرى في الأطراف، مثلاً، تيار المستقبل، المردة والقوات اللبنانية في الشمال، الحزب التقدمي الاشتراكي في الجبل، الكتائب في كسروان والمتن. وبناءاً على ذلك، فالمصالح الطبقية التي يمثلها حزب الله والتيار كانت خلال الأعوام الماضية متضررة من البرجوازية المالية والمصرفية (الحريري وأجزاء كبيرة من البرجوازية المسيحية التي تعمل في القطاع المالي والمصرفي).

أمّا تيار المستقبل فيمثّل أجزاء كبيرة من البرجوازية السنية، وخاصة مصالح رئيسه سعد الحريري. ولكنْ، بفعل واقعه الطبقي وأدائه السياسي، نفر منه الكثير من الناس، فلجأ إلى استخدام علني للمال السياسي، وضخّه بين العاطلين عن العمل في مناطق مثل عكار وطرابلس، وقام بتوظيف عدد كبير من العمال السنة في مؤسساته. هذا الأمر أنتج علاقة اعتمادية (زبونية) بينه وبين العمال السنة من جهة، وبينه وبين البرجوازية الصغيرة السنية التي تستفيد من وجود هذا الرأسمال من جهة أخرى. مثلاً، نسبة كبيرة من البرجوزية الصغيرة السنية تعتمد في معاملاتها المصرفية والاستثمار المالي على المصارف التي يملكها الحريري. إذنْ، فإن أدوات الاستقطاب تكاد تكون اقتصادية بحتة.


ونشأة "المستقبل" أيضاً ترتبط بواقع الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وخاصة بعد اتفاق الطائف الذي مهّد لدخول الرأسمال الحريري إلى السوق اللبنانية، إذ كان "السلم ضرورة للاستثمار(!)".


خلاصة


الانتخابات، بالإضافة إلى شهادتها حول أسئلة سياسية أساسية، تمثّل أيضاً مصالح طبقية فئوية وطائفية، مما يستلزم المواجهة ضد صعود الصراع الفئوي داخل الطبقات وفي ما بينها. الهروب من المواجهة يشكل خطراً على الطبقة العاملة، خاصة إذا ما تُركت المعارك السياسية من دون تدخّل للقوى الثورية في المجتمع، المنادية بتوحيد الطبقة العاملة في لبنان على أساس مناهض للطائفية ومناهض للاستغلال والقمع الطبقي، لأن عدم المواجهة سيتيح للقوى الطبقية/الطائفية المسيطرة الإمعان في تغليب المنطق الفئوي والطائفي على الصراع الطبقي الواعي.


من جهة أخرى، فإن العلاقة الاعتمادية ما بين الرأسمال المحلي والرأسمال الاقليمي والعالمي تتبلور من خلال مديونية عالية من جهة، ومصالح تجارية واقتصادية ما بين أجزاء كبيرة من البرجوازية المحلية والبرجوازيات العربية والعالمية من جهة أخرى (المصالح الاقتصادية ما بين الحريري والسعودية؛ دعم إيران لحزب الله منذ نشاته حتى الآن وارتباطهما من خلال مصالح اقتصادية مشتركة؛ قطاع الخدمات الذي يعتمد على الاستثمار الخارجي بشكل أساسي؛ القصور في الصناعة والزراعة والذي يؤدي على اعتماد اقتصادي في الاستيراد وغيرها من المصالح).


في ظل هذا الواقع، من الصعب جداً أن يقوم أي من أقطاب المعارضة والموالاة من الهروب من التأثير الخارجي، بل ستبقى بنية الاقتصاد اللبناني ضمن واقع مادي يفتقر إلى المواد الاولية الرئيسية والخطط الاقتصادية ويعاني حتّى صغر السوق المحلية، ما سيلقي بثقله على قدرة رأس المال المحلي على التنافس مع السوق الإقليمية والعالمية وخاصة بعد أن أزيل جزء كبير من الحماية الاقتصادية التي كانت تتمتع بها الصناعة والزراعة المحلية.


القوى الفعلية القادرة على رؤية هذه التناقضات والقادرة موضوعياً على التنظيم فيما بينها على خطوط المواجهة هم العمال، ولكننا نعرف أن الواقع العمالي في لبنان ليس جيداً، حيث أن أجزاء كبيرة منهم تعمل في أماكن عمل صغيرة تضم عدداً قليلاً من الشغّيلة، مما يلجم موضوعياً نشوء نقابات عمّالية قويّة. لكن تواجد النقابات كتعبير عن إرادة سياسية وتاريخية واستراتيجية لدى العمال، يفرض تدريجياً على السوق أن يتطور تباعاً، فإن نظّم العمال أنفسهم وباعوا قدرة عملهم مجتمعين للسوق، سيفرضون على السوق التعامل معهم بشكل جماعي، أي سيعززون نشوء أماكن عمل أكبر ونشوء قدرة أكبر على التوظيف، مما يؤدي إلى تغيير الظروف الموضوعية للتنظيم النقابي. لكن هذا لا يتم إلا من خلال حركة عمالية واعية سياسياً وقادرة على الضغط.


لذا، تكون المهمة الأساسية التي يجب أن يعمل بموجبها اليسار والإشتراكيين الثوريين هي بناء تلك الحركة والدعوة إلى التنظيم النقابي والعمالي. وكما يقول ماركس "النقابات هي مدارس للاشتراكية، ففي النقابات ... تبدأ أجزاء كبيرة من العمال، بغضّ النظر عن الحزب الذي ينتمون إليه، بالاقتناع بضرورة تحسين ظروفها المادية". مسار العمل على إنشاء حركة عمالية جدّية في الواقع اللبناني يبدأ برفع المطالب العمالية إلى أكبر مساحة ممكنة في المجتمع. عليه، فإن الانتخابات القادمة، وان كانت المنافسة الأساسية فيها ما بين المعارضة والموالاة، فهي أيضاً تشهد تضعضعاً في المعسكرين على السواء، بسبب التراجع الكبير لكل من الطرفين وعدم القدرة على الإجابة عن أسئلة سياسية وحياتية مهمّة لجزء كبير من العمال، كالطائفية والحد الادنى للأجور والتعليم وكلفة المعيشة... العمال اليوم ينجرّون وراء أحزاب لا تمثّل مصالحهم الطبقية، وإن كانت تمثّل جزءاً منها. ومهمتنا الثورية هي بناء تنظيم مستقل للعمال عبر استخدام جميع الوسائل السياسية والنقابية للمطالبة بذلك، بما في ذلك الانتخابات.


إن مشاركة اليسار في الانتخابات بشكل عام ودخول الحزب الشيوعي في الانتخابات هو أمر إيجابي إذا ما تم توظيفه لصالح تصعيد الصراع الطبقي والدفع بالمطالب العمالية إلى صلب الصراع السياسي الانتخابي. لكن هذا الأمر لا يبدو جلياً، فمنذ إعلان مرشّحيه حتى اليوم، لم نرى الحزب يقوم بأي فعل مباشر في الصراع السياسي لتجييش الرأي العام حول برنامجه، بل نراه منزوياً في العمل ضمن قواعده، بدل أن يعبّئ قواعده للعمل مع الخارج. ومن هنا، على الحزب الابتعاد عن البرلمانية في التعاطي مع الانتخابات والتي تنحصر ضمن مطالب إصلاحية، من دون رؤية ثورية.


وأخيراً، إن المصلحة الاساسية لليسار في الانتخابات هي في العمل على بنيانه السياسي والداخلي عبر تموضعه في الصراع وليس الهروب منه، وعبر طرح المسائل العمالية بشكل فعاًل ومنسّق، لأن التشرذم اليوم ما بين اليسار يقلّص من قدرته على بناء حركة وتنظيم عمالي مستقل غير طائفي يكون المحرك الأساسي في بناء حالة تغييرية وثورية في المجتمع.


موقع التجمع اليساري من أجل التغيير


المنشور - العدد 16 - ربيع 2009




الاندماج الاقتصادي العربي عبر الإنماء المشترك لاكتساب موقع واعد في نظام العولمة
تمادي الطبقة الرأسمالية في اضطهاد العمال وحرمانهم من كثير من حقوقهم القانونية
المؤتمرات النقابية في سورية
المرسوم 49
ملاحظات عامة حول اللقاء والحوار بين الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال
الإعلان الأممي رقم ( 2 )/ترجمة :جلال نصر
إعلان ملتقى بيروت الدولي
ميثاق مبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي
المنتدى الاجتماعي الأوروبي، لندن – تشرين الأول أكتوبر 2004.
الإعلان الأممي الصادر عن المنتدى الاجتماعي الأوربي الرابع في أثينا- ترجمة رندة بعث
مقالات الشهر
ماذا عن "اليسار الراديكالي" في إسرائيل؟ / محمد حسني   [محمد حسني]
حول بناء المنظمة الثورية / علي المصري   [علي المصري]
عين على الولايات المتحدة : سيدات شاهدات على الجوع... بالكاميرا
تقرير حول الوضع العالمي: تبين الأزمة (القسم الثاني) / فرانسوا سابادو   [ فرانسوا سابادو]
الشعب الحزين يفتقد «إدوارده السعيد» الفشل المزدوج لعباس وحماس / سامي حسن   [سامي حسن]
ضوء الديموقراطية الخافت / أرونداتي روي   [أرونداتي روي]
هل هناك بديل لفوضى السوق؟ / سام اشمان
دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم
الديمقراطية العمالية / تيار الاشتراكيين الثوريين   [ تيار الاشتراكيين الثوريين]
بعد غولدستون: آن الأوان لحلّ السلطة تدريجيّاً / عمر البرغوثي   [ عمر البرغوثي]
دراسة حالة في سبيل الاشتراكية الثورية / أليكس كالينيكوس   [أليكس كالينيكوس]
اللينينية في القرن الحادي والعشرين/ تيار اللاشتراكيين الثوريين
العالم الثالث ديمقراطية أم ثورة اجتماعية؟
46 عامًا على 23 يوليو 1952.. الناصرية والتغيير / علي المصري   [علي المصري]
تعليقاً على تقرير التنمية الإنسانية العربية ... عـرب قيـد الدرس / نصري الصايغ   [نصري الصايغ]
دعاية شركة - سيلكوم - العنصرية / ريما كتانة نزال   [ريما كتانة نزال]
لماذا لا يتم استجواب الدردري في مجلس الشعب ؟ / نزار عادلة   [ نزار عادلة]
الحكومة السورية تتباهى بعمالتها الرخيصة .. !! / علي عبود   [علي عبود]
قمّة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى / بيان "أتاك" فرنسا   [أتاك فرنسا]
نعومي كلاين في فلسطين: أرفض التطبيع مع... الموت   [غالب كيوان]
بيار بورديو شاهداً على «بؤس العالم»/ ديمة الشريف
حوار مع البروفيسور ديفيد هارفي:الأزمة الماليّة العالميّة، النيوليبراليّة، الماركسيّة، الديمقراطيّة
عن الأزمة واليسار الأوربي ودعم المقاومة.. /اليكس كالينيكوس
احتفالاً بحياتنا العادية ،ضد ثلاثية فتشية السلعة، الكيتش، والبترودولار   [باسل السعدي]
إيران: غضب في مواجهة القمع وكبت الحريات / سيد عبد الرحمن   [سيد عبد الرحمن]
اضواء على تجارب اليسار   [غياث نعيسة]
المفكر الفرنسي جان بودريار   [المفكر الفرنسي جان بودريار]
الأزمة المالية العالمية: رؤية اشتراكية   [سامح نجيب/ مركز الدراسات الاشتراكية- مصر]
الاشتراكية أو البربرية ، دفاعا عن الماركسية الثورية/غياث نعيسه   [غياث نعيسة]
المنتدى الاجتماعي
هل المنتدى الاجتماعي العالمي مؤهل للنضالات الشعبية؟/سمير امين
البيان الختامى لمؤتمر القاهرة الدولى الخامس
المنتدى الاجتماعي العالمي والحركة البديلة من العولمة /سمير أمين
لاستقبال النشرة الدورية

:الاســــــم

 

:البريد الإلكتروني