طباعة اتصل بنا أرسل إلى صديق الرئيسية  
  من نحن
  وثائق الحركة
  مقالات
  أخبار
  أرشيف المقالات
  أرشيف نشرة البديل
  مفاهيم ومصطلحات
  حوارات
  مكتبة البديل
  مساهمات الزوار
  روابط
  اتصل بنا
  إرسال مساهمة
  ثقافة وفنون بديلة
أرشيف و مقالات الدكتور عصام الزعيم
صعود الصين وتحولها: الأبعاد والافاق /د.عصام الزعيم
نقد اقتصادي واستراتيجي للتقلب والارتداد في سياسات وقرارات الإصلاح في القطاع العام الصناعي* /د.عصام الزعيم
توحيد الاقتصادات العربية إنمائيا والفعل التناقضي للعولمة/د.عصام الزعيم
أرشيف مقالات النقابي عمر قشاش
البطالة واستيراد العمالة الأجنبية/عمر قشاش
ملاحظات عامة حول اللقاء والحوار بين الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال
المرسوم 49
الأوراق المقدمة للاجتماع الموسع للعام 2007
تقرير حول الوضع العالمي: تبين الأزمة (القسم الثاني) / فرانسوا سابادو
بقلم فرانسوا سابادو 0000-00-00

يندرج هذا النص في إطار التقرير المقدم في اجتماع المكتب الموسع للأممية الرابعة في نوفمبر 2008، ويمثل مواصلة له [1]. لا نعود هنا إلى جملة تفسيرات لآليات الأزمة، لكن سنؤكد بالأحرى على جملة أسئلة تثيرها.



أزمة منظومية



1. تؤكد التطورات الأخيرة عمق الأزمة و دوامها، وبخاصة طابعها المنظومي. ليست أزمة قصيرة الدورة. تتطابق الأزمة المالية مع أزمة فيض إنتاج عامة وتفاقمها. وبالتدريج يقلص شلل الائتمان (القروض) النشاط الاقتصادي. وانتشرت الأزمة بالعالم برمته. و تضاهي حجما أزمة 1929، لكنها تختلف عنها بطابعها الشمولي. نمط الإنتاج الرأسمالي ممتد إلى مجمل الاقتصاد العالمي. وقد شكلت العولمة الرأسمالية سوقا عالمية للسلع، وفرضت حركة " إعادة تسليع" معممة وخلقت شروط سوق عالمية لقوة العمل.



تكتسي هذه الأزمة إذن طابعا عالميا شاملا. و مكوناتها عديدة: أزمة اقتصادية، وأزمة مالية وبنكية، وأزمة غذائية، وأزمة طاقة ، وأزمة مناخ. وقد مثل المنتدى الاجتماعي في بيليم، في يناير 2009، التعبير الأكثر سطوعا عن امتزاج أزمة اقتصادية بأزمة بيئية. كان ثمة سعي إلى قصر منتدى بيليم على البيئة، لكن الأزمة الاقتصادية وسمت في الواقع هذا المنتدى بطابعها.



استبد الخوف بالطبقات السائدة وبكل "الخبراء". فلا نموذج بديل لديهم. ويناقشون سيناريوهات مختلفة لكن أيا من الخبراء لا يرى مخرجا من الأزمة. ويحتملون انتعاشات "رخوة" نهاية 2010 أو سيناريو أزمة من الطراز الياباني: انكماش اقتصادي يدوم عشر سنوات، لكن لا أحد يجرأ على التنبؤ بمخرج من الأزمة الراهنة. وبخلاف أزمة 1929، تدخلت الحكومات والسلطات العامة لاحتوائها. و تقوم أنظمة الحماية الاجتماعية بجملة بلدان بدور مخفف لحدة الأزمة... لكن، إلى متى؟



وطبعا ليست هذه نهاية الرأسمالية، لأنه طالما انعدمت بدائل، أي حلول معادية للرأسمالية قادرة على فرض نفسها، ليس ثمة "وضع بلا مخرج" بالنسبة للنظام. فبإمكانه دوما خلق هوامش جديدة لنفسه. بوسع الرأسمالية أن تعيش وتبقى مع أزماتها، و اضطراباتها، وتراجعاتها. ما من نزعة كارثية إذن، لكننا نرى حاليا بجلاء أن النظام بلغ حدوده، وأن الكلفة الاجتماعية، والاقتصادية والبيئية لأزمة الرأسمالية تضع على جدول الأعمال الخروج من هذا النظام، بالإصلاح والتجاوز بنظر البعض، وبالقطيعة والإطاحة بنظر المعادين للرأسمالية. انه انعطاف تاريخي: سيكون ثمة ما قبل هذه الازمة وما بعدها.



2. اننا إذن إزاء أزمة عميقة ومديدة



* الأزمة المالية والبنكية مستمرة: المنتجات "السامة" أصابت النظام بالغنغرينة.



يجري الحديث عن "بنوك مزابل" للتخلص من كل المنتجات المالية السامة، لكن نقص معرفة حدود انتشارها يحول دون القرار بشأن ثمن شراء هذا المنتوج أو ذاك، وبالتالي تتراجع الحكومات، كما بالولايات المتحدة الأمريكية، أو تخشى إطلاق آليات تزيد إبراز ضخامة الديون المتعذر الوفاء بها. و تواصل الفراديس الضريبية عملها. وتحول عتامة الأسواق المالية دون إرساء آليات رقابة جديدة. ويقل باطراد ما تمنحه البنوك من قروض. ويتعذر ضمان قروض الدولة ومساعداتها وتمويلاتها بسبب استمرار الشك بوضع البنوك. وحتى موازنة قروض الدول تواجه مصاعب . وقد جرى إعلان الاستنفار في ألمانيا في ديسمبر الأخير.. وثمة دول في حالة إفلاس مثل ايزلندا. والوضع حرج في اليونان وهنغاريا وباكستان واسبانيا وليتوانيا. وقد تؤدي حالات جديدة من إفلاس البنوك إلى مزيد من إغراق النظام. وليست المالية العامة قابلة للمد إلى ما لانهاية ما عدا بالإفراط في إصدار الأوراق النقدية. وآنذاك ندخل طورا جديدا من الأزمة ...



تدخل ستراوس كان Strauss Kahn من صندوق النقد الدولي لطلب مساعدة أكبر من الدول للبنوك بقصد إعادة إطلاق الائتمان، ُمبديا أسفه لعدم ارتقاء تمويلات الدولة إلى مستوى ما تقتضي الأزمة. ثمة إذن حدود في قدرة الدول على الوفاء بالديون وفي انفجار الدين. في هذه المرحلة لدى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها،بفضل دور الدولار كعملة عالمية، وسائل مواصلة سياستها الاستدانية.



تعممت أزمة فيض الإنتاج التي كانت قائمة في بعض القطاعات قبل الأزمة المالية والبنكية. يعيش الاقتصاد العالمي حالة انحسار. تتراوح توقعات النمو العالمي حول 0.5% . وهي سلبية فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوربي. ونشهد سقوط الإنتاج الصناعي: - 9 % بالولايات المتحدة الأمريكية ، و -9.8 باليابان. وتغلق آلاف المقاولات أو تسرح عمالها . وتطال الأزمة كل القطاعات بالتدريج. وثمة 7.2 % من العاطلين بالولايات المتحدة الأمريكية، أي 11 مليون عاطل. وحسب تقرير لكريستينا رومر و جاريد بيرنشتاين (مستشارا أوباما في الاقتصاد) قد تدمر 3 إلى 4 مليون فرصة عمل إضافية في الأشهر القريبة. وتطالب شركتا جنرال متورز و كريزلر بعشرات ملايير الدولار كي لا "تغوص". وبلغت التوقعات بشأن البطالة مستويات مذهلة: أكثر من 30 إلى 50 مليون عاطل بالنسبة لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين. انه تدفق حقيقي. وستتواصل عمليات إلغاء فرص العمل وتزايد البطالة وترتفع ، بالأقل خلال سنوات 2009 و 2010. و يمكن بلوغ نسب بطالة هي الأكبر منذ سنوات 1930.



الأزمة عالمية . لم تتأكد فرضية عدم تقارن أزمة البلدان الرأسمالية المتقدمة مع الوضع بالبلدان البازغة، لا سيما الصين. انخفض النمو بالصين من 11% إلى 7 % . وانخفضت الصادرات بنسبة 2.2 % في نوفمبر و بنسبة 2.8 % في ديسمبر حسب أرقام الجمارك الصينية. وتقلصت الواردات بنسبة 21.3% . وأغلقت آلاف المقاولات في إقليم شانغهاي وأصبح مئات آلاف الصينيين، لا سيما ملايين العمال المهاجرين، عاطلين. تدل نسبة 7% من النمو على قوة اقتصاد الصين. لا بل ستؤكد الأزمة الميول إلى انتقال مركز ثقل الاقتصاد العالمي نحو البلدان البازغة ، لكن هذا الاقتصاد يظل تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا. وأكثر من ذلك، ستدفع هذه الأزمة النظام الصيني إلى إيلاء الأسبقية لتطور سوق داخلية ستكون أيضا متوقفة كثيرا على النضالات السياسية والاجتماعية، حتى داخل الحزب الشيوعي الصيني. .. لكن هل يستطيع اقتصاد الصين أن يمثل قاطرة الاقتصاد العالمي، في هذه الأزمة، ومحركا للنمو العالمي بديلا عن البلدان الرأسمالية المتطورة ؟ ليس ثمة لحد الساعة ما يدل على ذلك. لا سيما أن بلدانا مثل روسيا أو الهند بدأت تغوص في الركود.



3 – ُمني "النموذج" النيوليبرالي بهزيمة تاريخية. انفجر إجماع واشنطن. و ُمنيت الطبقات السائدة والحكومات النيوليبرالية أو الاشتراكية الليبرالية بهزيمة سياسية وإيديولوجية. كان ثمة تماسك نيوليبرالي: الخصخصة، المرونة، تفكيك القوانين. هذا التماسك متصدع اليوم. لكنهم لم يمنوا بالهزيمة السياسية بعدُ. فبعيدا عن الانخراط في استبدال للسياسة أو الاتجاه، تقوم سياستهم على "الصمود"، ومزاوجة الإطار النيوليبرالي بجملة إجراءات أو تدابير "صمود" على أمل ... أن تتوقف الأزمة و ُتستأنف الأعمال! علاوة على أن الرأسماليين يستعملون الأزمة لإعادة هيكلة المقاولات، للتقدم في عملية تركيز- اندماج المقاولات ، بقصد مواصلة الضغط على الأجور ... ثمة إذن تغيرات، وخطابات جديدة، وإجراءات إنقاذ أو إنعاش جزئية لكنها لا تمس الخط العام. سأتطرق من وجهة النظر إلى هذه ثلاث مسائل.



1.3. هل ثمة انعطاف كينزي؟



قد يكون ثمة في السياسات النيوليبرالية حقن بجرع كينزية، نسخة من الكينزية باهتة، ، لكن ما من انعطاف كينزي جديد. لا ريب أن ثمة نزعة تدخل جديدة للدولة في الاقتصاد، في إنقاذ البنوك، وفي سياسات تركز وإعادة هيكلة صناعية ومالية. انه تغير قياسا بكل الخطاب الليبرالي المفرط – أقل فأقل من الدولة- لدى ريغن وتاتشر. لكن يجب ألا ُينسى أن الدولة هي من فكك القوانين، وهي من خصخص، ودمر المكاسب الاجتماعية. يجب ألا ُيخلط الخطاب بالواقع: لم تشهد الدولة زوالا قط. و غاية تدخل الدولة اليوم إنقاذ النظام، وليس بأي حال بناء " الدولة الاجتماعية" . الدولة لا تتدخل للدفاع عن الطبقات الشعبية. وكما يقول باول كروغمان ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وملهم يسار الحزب الديمقراطي:" لنكن واضحين، إنها ببساطة اشتراكية زائفة: تشريك الخسائر وخصخصة الأرباح." لا معنى للنقاش حول الكينزية إلا ا باعتبار مجموع الإحداثيات الاقتصادية- الاجتماعية و السياسية. إنه ليس نقاشا حول هذا الإجراء الاقتصادي أو ذلك.



ليس المقصود هنا، من زاوية النظر هذه، رؤية "رومانسية" للكينزية، لكن ما أبعد الوضع الراهن عن سياسات منتصف سنوات 1930 وختامها بالولايات المتحدة وأوربا بعد الحرب. لم يكن اختيار السياسات الكينزية خيار بناء اقتصادي اجتماعي بعد نقاش إيديولوجي داخل الطبقات السائدة، بل فرضه ميزان قوى، أي صعود نضالات عمالية بالولايات المتحدة تطلب انعطافا للسياسات العامة وتلك الخاصة بالأجور. لكن انتشار السياسات الكينزية جرى بوجه خاص، على قاعدة اقتصاد التسلح، والحرب و ميزان قوى مرتبط بحركات اجتماعية وسياسية استثنائية فرضت " المساومات الاجتماعية" لما بعد الحرب. إن الخراب الناتج عن الحرب ما استدعى عمليات إعادة البناء وخلق شروط انطلاق جديد. إنها إذن أحداث بحجم استثنائي.



والحال أن المثير هو التفاوت بين عمق الأزمة ، وخطابات هؤلاء وأولئك حول ضرورة "إعادة بناء الرأسمالية" من جهة والأفعال من جهة ثانية. قد ُتتخذ قرارات رمزية – تسقيف دخْـل بعض المسيرين بالولايات المتحدة الأمريكية، أو حضور ممثلين للحكومة البريطانية في مجالس إدارة البنوك الانجليزية- لكن لا إغلاق للفراديس الضريبية، ولا معايير مالية جديدة أو رقابة فعلية على الائتمان لإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي. و ثمة اجراءت كانت ممكنة تقنيا وماليا لكن لم ُتعتمد. يشهد على ذلك مثلا تصريحات جيسكار ديستان ( في اللوموند 12 يناير 2009) حول أن الحكومات والمؤسسات الدولية لم تقدم بعد على تطبيق معايير مالية جديدة، ومساطر رقابة جديدة، وتقنينات جديدة (« short sellings » مثلا ، هذه المنتجات المالية التي تباع بينما هي غير مملوكة). لكن ما يتعين التأكيد عليه، في مستوى جوهري أكثر، هو أن كل خطط الإنعاش تعتبر ذات بعد صغير. ثمة فروق بينها: الخطة الفرنسية لا تتجاوز 1.5 % إلى 2% من النتاج الداخلي الإجمالي. بينما تمثل خطة اوباما ،البالغة 787 مليار، أكثر من 5 % من النتاج الداخلي الإجمالي، وهذا أمر أكثر دلالة. لكن يجب ربط هذه الخطة بعمق الأزمة الأمريكية . حسب كريستينا رومر و جاريد بيرنشتاين، مستشارا اوباما في الاقتصاد، لن تتمكن هذه الخطة من احتواء البطالة سوى بنسبة 7%- 7.5 % في متم 2010 - أي أكثر قليلا من معدل البطالة الراهن.- بدل 8.8% المتوقعة في حال انعدام الخطة. علاوة على أنه جرى، بضغط من الجمهوريين، خفض حصة النفقات العامة بمبلغ 91 مليار دولار، و رفع حصة خفض الضرائب بمبلغ 64 مليار.



تدمج الخطط والقرارات الحكومية الأمريكية نفقات عامة جديدة في التعليم والإعانة الاجتماعية وبعض الأشغال الكبرى، لكن يتبين، بإضافة 2000 مليار الممنوحة للبنوك، وخفض ضرائب الأغنياء، ودعم الاستثمار في المقاولات- لكن تحت أي رقابة؟- وحدود الإنعاش بالطلب، أن ثمة مسافة قبل الخروج من الأزمة. حسب باول كروغمان، لا يمكن إذن لخطة الإنعاش أن تغطي سوى نصف ممكنات النمو المفتقدة. وقياسا بالنمو المرتقب بحسب قوة العمل وقدرات الإنتاج المتوافرة، لن يكون ثمة سوى نصف النمو الممكن، ما يكلف اوباما منذ الآن نقدا حادا من يسار الحزب الديمقراطي.



يشرح مقال تادوس باتو حول العلاقات بين السياسات الراهنة و سياسات كينز [2] كيف انه في متم سنوات 1960، كان وزير اشتراكي- ديمقراطي وضع خطة إنعاش كينزية. بلغت تلك الخطة 40 مليار مارك ألماني للاستثمار العمومي. يعادل هذا اليوم 400 مليار يورو. والحال أن الحكومة الألمانية لم تستثمر سوى 50 الى 80 مليار يورو.



جرى في الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا الحديث مجددا عن " تأميم" البنوك. لا يمكن نظريا استبعاد " عمليات تأميم برجوازية" للبنوك. أي تأميما "مؤقتا وجزئيا" بقصد إنقاذ النظام البنكي الرأسمالي، لكن يجب ألا نخطأ معنى تدخلات الدولة. لم تكن ثمة في الواقع سوى تدخلات للدولة وإعانات كثيفة لإنقاذ النظام البنكي مع درجة معينة من الرقابة. يوجد بمجالس إدارة البنوك في بريطانيا ممثلون للحكومة. وعندما فكرت الحكومات أو الخبراء في "التأميم" لم يعتبر الأمر سوى إجراء مؤقتا وجزئيا. باختصار المقصود مرة أخرى تشريك الخسائر لإنقاذ النظام و خلق شروط إعادة خصخصة، في نهاية المطاف، وإعادة إطلاق السباق إلى الأرباح. ولم تعد أي حكومة النظر في الخصخصات التي جرت في السنوات الأخيرة. وتأكدت الهجمات على الخدمات العامة، وإلغاء فرص عمل الموظفين.إننا هنا أيضا بعيدون عن العلاقات الاقتصادية و السياسية التي سادت إبان عمليات التأميم أو الخدمات العامة لما بعد الحرب.



إننا في الأطوار الأولى للأزمة. وقد يؤدي تفاقمها إلى قلب كل السياسات البرجوازية. قد تدفع العقلانية الاقتصادية والسياسية "إلى مزيد من الإنعاش، والتنازلات الأجرية والاجتماعية، ومزيد من النمو الأخضر". و قد تحدث تغيرات جوهرية في سياسات الطبقات السائدة، بحسب موازين القوى الاجتماعية والسياسية لكن الرأسمالية ليست نظاما عقلانيا، إنها تنافس رساميل فردية لها مصالحها الخاصة، وشركات متعددة الجنسية لها مصالحها الخاصة، ودول لها أيضا مصالحها الخاصة... وقد يفضي هذا كله إلى توترات جديدة ومواجهات جديدة. والراجح اليوم في مطلق الأحوال هو المصالح الاجتماعية و السياسية للطبقات السائدة الساعية بكل الوسائل إلى الحفاظ على مصالحها.



3.2 سؤال آخر: " هل بوسع "الرأسمالية الخضراء" أن تعيد إطلاق الآلة؟



هل يمكن قيام رأسمالية تتكفل بالمشاكل البيئية و تستفتح في الآن ذاته مجالات تراكم جديدة و أسواقا جديدة. ثمة بهذا الصدد خطاب بكامله حول بعض مقترحات أوباما [3] الرأسمالية الخضراء أمر ممكن نظريا. و كما يشير المقرر حول تبدل المناخ، المعروض على النقاش بمؤتمر الأممية القادم:" تبدو رأسمالية قائمة على موارد الطاقة المتجددة قابلة للتصور على نحو مجرد، لأن الـُكمون التقني للطاقات المتجددة يعادل 8 إلى 10 أضعاف الاستهلاك العالمي للطاقة. لكن الانتقال إلى هذه الرأسمالية، انطلاقا من الرأسمالية القائمة فعلا المعتمدة بنسبة 80 % على الموارد الاحفورية، مناقض كليا لمتطلبات إنقاذ المناخ. يستحيل إعادة إطلاق الرأسمالية الراهنة دون إعادة إطلاق نفث غازات الدفيئة. لا تأخذ الرأسمالية بالحسبان سوى المؤشر الكمي لخفض نفث الغازات بينما يستدعي الإشراف على الانتقال مؤشرات نوعية عديدة." وهنا يوجد مشكل. سيجري اعتماد تكنولوجيا جديدة، ورسوم بيئية، وتغيرات في مجال النقل أو السكن. لكن الحديث عن "فوردية خضراء" أو "حل أخضر للأزمة" ينم عن عدم فهم حدود قدرة الرأسمالية على تسوية المشاكل البيئية.



أ‌) ثمة أولا مشكل "توقيت" . الأزمة ماثلة و آنية. و سقوط الطلب، وتقلص الائتمان، ومشاكل الميزانية، كلها تحد نفقات الطاقة الجديدة. والإجابات، حتى من طراز "رأسمالية خضراء" إجابات أمد متوسط وطويل. بينما الأزمة تتطلب إجابات فورية، وحتى استعجالية.



ب‌) لا بد من ربحية كافية. تطرح كلفة التكنولوجيا الجديدة والرسوم البيئية مشاكل مردودية. وهذا يكلف غاليا على نحو فائق بجملة قطاعات. وليس مؤكدا أن تكون مكاسب الإنتاجية في قطاعات الاستثمار الأخضر القوي مرتفعة كفاية ومستدامة. ت‌) لا بد من الكثير من النمو و من الأسواق أيضا. والحال أن الضغوط على الأجور تحد من الأسواق اللازمة لهذا النمو الأخضر....



ث‌) تستدعي إعادة تنظيم "بيئية" للاقتصاد العالمي تنسيقا، ومعايير دولية، واختيارات وتوجهات على المدى المتوسط والطويل. هذه الاختيارات متناقضة مع قوانين التنافس والسوق، التي تشجع الربح ولا شيء غير الربح على المدى القصير.



ج‌) وأخير لا يمكن أن تنتج هكذا خيارات تجمع انعطافا كينزيا مستداما ونموا ايكولوجيا كثيفا سوى عن خيارات خارجة عن الدينامية الخاصة بالوضع الاقتصادي، خيارات اجتماعية- سياسية مرتبطة بتغيرات كبيرة... وبدون هذه الخيارات سنكون إزاء وضع تناوب انغراز في الأزمة و انتعاشات جزئية محدودة.



ح‌) على نحو جوهري أكثر، لا يمكن لمنطق يلبي الحاجات الاجتماعية، و يستجيب لأنماط إنتاج واستهلاك جديدة، أن يتعايش مع منطق ربح رأسمالي تسيطر فيه المنافسة بين الرساميل الفردية. لا بد من تنسيق وتخطيط عالمي من اجل إعادة تنظيم للاقتصاد العالمي. هذا أساس بديل ايكولوجي- اشتراكي.



3.3 . هل يوجد انعطاف حمائي على جدول الأعمال؟



تؤجج الأزمة على نحو آلي التنافس، وقد تحوله إلى حرب اقتصادية. تجنح التجارة والمبادلات العالمية إلى الانكماش. وتبين ذلك تصريحات الإدارة الأمريكية حول ضرورة "شراء الأمريكيين بضائع أمريكية"، ونظيرها لدى الحكومة الاسبانية حول " شراء الأسبان بضائع اسبانية". كما تعبر عن هذا الميل انتقادات الاتحاد الأوربي و الرئاسة التشيكية لإعانات الحكومة الفرنسية لصناعة السيارات الفرنسية بمبلغ 6.7 مليار. حالت تناقضات الاتحاد الأوربي الداخلية دون وضع خطة أوربية منسقة. ومع الأزمة أصبح التدبير الاقتصادي بأوربا وطنيا أكثر مما كان قبل، و ُُوضع ميثاق الاستقرار جانبا. وتفسر تعارضات ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، المرتبطة بالمواقع الخاصة لاقتصاديات هذه البلدان في قسمة العمل الدولية وفي السوق العالمية، تلك التناقضات.



سنشهد إذن ضغوطا، و نزوات، وميولا "حمائية" ستدفع قادة كل بلد في أوضاع استعجالية إلى حفظ مواقعهم، لا سيما عبر مبادرات سياسية وطنية، رجعية، وحتى كارهة للأجانب، لكن اختيار قادة هذا العالم مواصلة توجه يدافع عن مصالحهم الطبقية، يستتبع، بقصد حفظ مواقعهم في عالم معولم، مواصلة اندماجهم في الاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية.



ومن جهة أخرى، تدفع التجارب التاريخية الطبقات السائدة إلى كبح نزواتها الحمائية. لكن قد يؤدي تعمق الأزمة، على هذا الصعيد، إلى تغيرات. وقد يسبب ذلك انقلابات في الطبقات الشعبية حيث يمكن ان تنبعث الأفكار القومية والرجعية وأفكار أقصى اليمين. وتبين ذلك ردود بعض قطاعات الحركة العمالية الانجليزية ، الاقلوية لحسن الحظ، التي تستعيد الشعارات الرجعية من قبيل "فرص العمل الانجليزية للعمال الانجليز".. كما تدل "الدوريات" الليلية التي رخصتها حكومة بيرلوسكوني ونظمها اليمين الايطالي ضد المهاجرين، الرومانيين بوجه خاص، على تقدم أفكار أقصى اليمين العنصرية والكارهة للأجانب.



بمطلق الأحوال، يتعين على الحركة العمالية أن تحتاط من كل تلك السياسات "الحمائية" أو القومية. كما يجب استبعاد كل سياسة عقابية لشعوب الجنوب، لا سيما عبر سياسات جمركية أو مختلف الرسوم. كما يجب رفض كل تنافس بين عمال هذا البلد أو ذاك. إن التضامن حول مطالب مشتركة على صعيد دولي هو إحدى المسائل الحاسمة بوجه الأزمة.



الأزمة تحدد تضافريا السياسة العالمية



4- يمثل فوز أوباما إحدى تجليات هذا الانعطاف العالمي كما سبق القول، إنه اقتران اختيار الطبقات السائدة الأمريكية " تغيير الوجه" لاستعادة المبادرة، في ظرف تدهور كبير لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية، مع رفض الشعب الأمريكي الكثيف لسنوات حكم بوش الثمانية. من المهم فعلا تسجيل الضعف الذي أصاب مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم لفهم وصول اوباما إلى السلطة.



هذا لأن اوباما سيكون رجل الامبريالية الأمريكية للدفاع عن مصالحها في تشكل عالمي جديد، لا سيما أن حجم السوق الأمريكية وقوتها العسكرية لا تزالان تمنحانها مؤهلات جدية. على الصعيد الاقتصادي، تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية على دائنيها– اليابانيين والصينيين، ومختلف الصناديق السيادية- الذين يمولون استدانتها. لكن هؤلاء الدائنين يتوقفون بدورهم على الولايات المتحدة الأمريكية و على قيمة الدولار. فقد كان بالإمكان ترقب انخفاض الدولار بعد انغراز الولايات المتحدة في الأزمة. والحال أن الدولار في وضع جيد! لأنه، أولا، مستند إلى دولة ، بخلاف اليورو ، ثم بفعل مفعول الحجم – ضخامة الولايات المتحدة وقوتها المحافظ عليها. ثم لأن بقاءه في وضع جيد راجع إلى أن انهياره سيعني عقابا للصناديق الصينية واليابانية وغيرها. إن 1700 مليار دولار من 2300 مليار دولار المشكلة للاحتياطات الصينية مستثمرة في الولايات المتحدة الأمريكية! كل العالم يشد بعضه بعضا... ولذا يظل الدولار، رغم توتراته مع اليوآن الصيني واليورو، العملة العالمية المرجعية. على الصعيد العسكري، لدى اوباما هوامش مناورة محدودة، لكن إيانا أن نغالط النفس، فهو يظل رجل الجهاز السياسي- العسكري الأمريكي: يواصل، في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دعم كل الحكومات الإسرائيلية؛ و يعيد تحديد الأولويات الإستراتيجية للامبريالية الأمريكية بايلاء الأسبقية لأفغانستان حيث ستقوم القيادة الأمريكية بإرسال قوات جديدة (أكثر من 17 ألف جندي)، وستحث حلفائها على فعل المثل! وفي العراق قرر جدول سحب القوات بشرط ان يتيح الوضع ذلك. وعلى صعيد أعم، تحتفظ الولايات المتحدة على الهيمنة السياسية-العسكرية، لكن يتعين عليها أن تعيد التفاوض بشأنها مع حلفائها. لم نعد في 1990-92 ولا حتى 2001-2004 بعد 11 سبتمبر 2001.



ستنهج إدارة اوباما سياسة تعاون أكبر مع الاتحاد الأوربي أو مع بلدان مثل البرازيل بأمريكا اللاتينية. لكن مع مطالبة الأمريكيين اللاتينيين بمقابل: الابتعاد عن الأنظمة التقدمية أو القطع معها. بات تشافيز يعتبر "عقبة" بوجه قيام علاقات جيدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وباقي بلدان أمريكا الجنوبية . وقد أكد اوباما السياسة الأمريكية ازاء كوبا. زد على ذلك تنديد تصريحات كاسترو بالأوهام حول الرئيس الأمريكي الجديد. لا سيما أنها أوهام كبيرة. هذا ما أُستشعر في بعض قطاعات المنتدى الاجتماعي العالمي في بيليم ، قطاعات بلغ بها الأمر مستوى التساؤل: هل من مانع لحضور اوباما في المنتدى الاجتماعي العالمي؟ ومن حسن الحظ أنها كانت تصريحات معزولة جدا. وإذ يلزم أن تؤخذ بالحسبان "المواقف الجديدة" للإدارة الراهنة إزاء إدارة بوش، يجب ألا نخطأ بصدد ما يمثل اوباما والمصالح التي يدافع عنها.



5. الأزمة تحدد تضافريا كامل السياسة الدولية. ستؤدي الأزمة إلى تغيرات،وربما انقلابات، في وضع اليسار والحركة العمالية. تظل سياسة الاشتراكية الديمقراطية بطابعها الاشتراكي الليبرالي. فقد أيد قادتها، بوجه عام، خطط إنقاذ البنوك واعتبروها غير كافية وطالبوا بمقابل لها. إنها القوى التي تستعمل الإحالات إلى السياسة الكينزية، لا سيما حين وجودها بالمعارضة، لتدمجها في سياسات تبقى في الإطارات النيوليبرالية. لكن بوسعها، بقصد الركوب على ردود الفعل والمعارضات والمقاومات بوجه الأزمة، امتطاء هذه الحركة و إضفاء صبغة يسارية على موقفها. لكن حين يتعلق الأمر بموقف جوهري مثلما هو الأمر بصدد أوربا ، يؤكد أولئك القادة مواقفهم العامة. الأهم من قيادات اليسار مناقشة حالة موازين القوى و أولى ردود الفعل الشعبية بوجه الأزمة. تدل ردود الفعل الأولى على عزم الشعوب والعمال على المقاومة. كان المنتدى الاجتماعي العالمي في بيليم بالبرازيل التظاهرة العالمية الكبرى الأولى ضد الأزمة. و مع كل تنوع الإجابات، عبر المشاركون المائة والثلاثون ألفا عن ضرورة رفض الأزمة الرأسمالية. و منحوا الحركة من اجل عولمة بديلة دفعا جديدا.



لقد أتاحت استعادة الجذور "البرازيلية" للمنتدى إعادة إطلاقه. هذا لأن منتدى بيليم أعاد أيضا، رغم سياسة حكومة لولا، تأكيد قوة الحركات الاجتماعية القائمة في البرازيل، قوة الحركة النقابية وحركة معدومي الأرض، وآلاف الجمعيات الأخرى، مثل جمعيات السكان الهنود. و في هذا الإطار أيضا تحفز تجارب القطع الجزئية مع الامبريالية لكل من تشافير و موراليس وكوريا مقاومة الشعوب بأمريكا اللاتينية. من وجهة النظر هذه، رغم الضغط الشديد للامبريالية الأمريكية، وتجربة لولا الذي يروم بدوره جر هذه البلدان إلى جانب البرازيل، وقوى اليمين الفنزويلية والبوليفية، يمثل التصويت بنعم في الاستفتاء ببوليفيا وفنزويلا نقاط ارتكاز حاسمة بأمريكا اللاتينية. كما أن المكاسب الاجتماعية (صحة، تعليم، تراجع الفقر) والسياسية(ضد السيطرة الأمريكية) أكيدة. لو جرى إنزال الهزيمة بهذه الأنظمة لأمكن تصور تغيرات ميزان القوى بتلك البلدان وبأمريكا اللاتينية والضغوط على كوبا، الخ. و تواجه تلك الأنظمة حاليا مشكلا كبيرا: انه الموقف إزاء الأزمة فيما المكاسب الاجتماعية الراهنة غير كافية.



إنها تمثل بالفعل امتحانا، لا سيما في حال انخفاض هوامش المناورة البترولية في فنزويلا. فإما ألا تصمد هذه البلدان بوجه عواقب الأزمة، و إما أن تتخذ هذه الحكومات، بضغط من الحركات الاجتماعية، تدابير تمس بنية الاقتصاد، وتوزيع الثروات وبنية الملكية. الآن ستتأكد درجة القطيعة ، ومدى تعمقها.



ما من علاقة آلية بين الأزمة الاقتصادية و تجذر العمال الاجتماعي والسياسي .



ليس ثمة علاقة آلية بين الأزمة الاقتصادية وصراع الطبقات. بل ثمة بالعكس تقاطب في اليسار وفي اليمين، وقد تتطور اندفاعات رجعية، لكن من جانب آخر لا ُيقبل العمال ومنظماتهم على الأزمة ُعزلا من ميزان قوى، ودون مواقع مكتسبة، وبلا قوى جذرية قائمة هنا وهناك. وقد بات ثمة ببعض البلدان أو بعض القطاعات مقاومات اجتماعية.



و ثمة،على مستوى أعم، رابط بين نجاح منتدى بيليم، وتلك المقاومات بأمريكا اللاتينية و تمرد الشبيبة اليونانية، و إحداث الأنتيل الفرنسية، و 2 مليون متظاهر يوم 29 يناير في باريس. يجب تتبع منحنى المظاهرات والإضرابات بكل بلد. لكن رغم هزائم سنوات 1980 و 1990 تمثل المكاسب والمواقع السياسية والتنظيمية والمؤسسية التي حافظت عليها الحركة العمالية وكذا بزوغ أجيال جديدة مستعدة للنضال نقط ارتكاز للمقاومة. إن هذه الحركة المزدوجة، المتمثلة في تطور اجتماعي-ليبرالي لليسار التقليدي ومقاومات اجتماعية، ما يمنح اليسار المناهض للرأسمالية مساحات جديدة. أخيرا، في الظرفية العالمية، يمثل الشرق الأوسط والمسالة الفلسطينية مسالة مركزية . تعيد حركة التعاطف مع شعب غزة مد حملات التضامن مع الشعب الفلسطيني بحفز جديد.



من اجل برنامج عمل مناهض للرأسمالية



6- تضع أزمة الرأسمالية، وعمقها ومدتها، على جدول الأعمال برنامج عمل مناهض للرأسمالية



قد ينتقل ما كان يندرج في الدعاوة والشروح العامة إلى مجال التحريض. يوجد أنصار النظام الليبرالي في وضع مزعزع كليا. انفجر تماسك الخطاب النيوليبرالي وهو في عزه. و تفتقد أشكال التعزيم إلى التخليق أو إعادة بناء الرأسمالية افتقادا كليا إلى أي مصداقية. وهي تعبر عن هلع القادة الرأسماليين أكثر من أي أمر آخر. تكتسي إجاباتنا دلالة جديدة، و راهنية جديدة يتعين أن تربط المطالب الآنية وأهداف تحويل اجتماعي تغير النظام، أي خطة انتقالية مناهضة للرأسمالية، اشتراكية –بيئية، من اجل اشتراكية القرن 21.



" يجب إنقاذ الشعوب ، لا البنوك!"



" على الرأسماليين دفع ثمن الأزمة، لا الشعوب والعمال!"



لا بد، بوجه التسريحات وإلغاء فرص العمل، وانخفاض القدرة الشرائية، وتدمير الخدمات العامة، وتدهور البيئة، من خطة استعجالية اجتماعية وبيئية. رفض التسريحات، والبطالة التقنية والجزئية، خفض وقت العمل وتوزيع العمل بين كل الأجراء، وضحايا الهشاشة والبطالة، وعمل مضمون مع أجرة لائقة، ورفع الأجور لإنعاش الطلب، والدفاع عن الخدمات العامة وإعادة تنظيمها خدمة للسكان، أشغال عامة كبرى ممركزة حول الأولوية البيئية ( اقتصاد الطاقة، طاقات متجددة، محاربة التلوث، نقل عمومي، سكن اجتماعي، خلق فرص عمل في الأنشطة البيئية المفيدة اجتماعيا). كما يجب أن تتبوأ مكانها في برنامج الاستعجال الاجتماعي المطالب الخاصة بالنساء ضد العمل الجزئي المفروض، وضد الهشاشة ومن أجل خدمات عامة جديدة، لا سيما في مجال الطفولة الصغيرة. ولنا في هذه المعركة حجة "هائلة". فقد أصر المالكون طيلة العقود الأخيرة ، باسم التنافس،والتنافسية أو محاربة العجز في الميزانية أو الديون، على رفض كل مطلب جوهري... و في عشية واحدة صرفت عشرات الملايير لإنقاذ البنوك !!! يجب تخصيص الأموال الممنوحة للبنوك لتمويل المطالب الاجتماعية ذات الأسبقية. ونقترح بصدد هذه المطالب أوسع وحدة عمل. كما يتعين أن تترافق هذه الخطة الاجتماعية الاستعجالية مع الدفاع عن الحقوق والحريات الديمقراطية، وبخاصة الدفاع عن حقوق المهاجرين و من هم بلا أوراق ثبوتية. ابعد من ذلك، يبدأ النقاش الاستراتيجي حول الأجوبة على الأزمة.



كانت النقاشات في منتدى بيليم، من وجهة النظر هذه، مثالا جيدا. يدور خيار أول، كينزي جديد، حول أشكال ضبط جديدة: إغلاق الفراديس الضريبية، معايير مالية جديدة، ضرائب على المعاملات المالية. كان هدف نقاشات اللجنة حول الأزمة المالية، المنعقدة في بيليم، "وضع المالية في خدمة المواطنين" لكن دون مس مسألة ملكية البنوك وكبريات المقاولات أو الدعوة إلى نظام مختلط، بنوك خاصة وقطب بنكي عمومي. ونعلم أن الأنظمة المختلطة تفضي، بالنظام الرأسمالي، إلى سيطرة القطاع الخاص. وتترافق هذه المقترحات مع منهجية تسند دورا مركزيا للمؤسسات. ولا دور للحركات الاجتماعية، في هذا المنظور، سوى الضغط على منظمة الأمم المتحدة أو اجتماع ما لمجموعة العشرين الكبار التي ستوسع بالمناسبة لضم بعض بلدان الجنوب لتصبح مجموعة 23. الخيار الثاني يستعيد مطالب جزئية ( الضرائب، النضال ضد الفراديس الضريبية) لكنه يربطها بوضع النظام الرأسمال موضع سؤال. أولا بسياسة جذرية لإعادة توزيع الثروات. اخذ بكثافة من كفة الأرباح لصالح كفة الأجور، وللاستخدام ( فرص العمل)، وللضمان الاجتماعي، والخدمات العامة.



لكن الأزمة تطرح مسألة أخرى: من يراقب من يقرر من يملك؟ إنها مسألة الملكية. ليس إفلاس البنوك والمقاولات الكبرى مجرد نتيجة لتجاوزات مالية أو غش، انه نتيجة نظام سيطرة السعي إلى ربح أقلية من ذوي الامتيازات. يجب تغيير المنطق الذي يحكم. يجب ، مثلا، نزع سلطات أرباب البنوك. يجب تأميم البنوك تحت رقابة الأجراء والمستهلكين. يجب وضع المقاولات المفلسة تحت رقابة عمومية وتسيير الإجراء. لكن بوسعنا السير أبعد من ذلك، حول مفهوم "الملك المشترك". لا يقتصر"الملك المشترك" على الماء والأرض والصحة والتعليم. يجب توسيع هذا المفهوم لتعيين مجموع قطاعات الاقتصاد الضرورية للحاجات الاجتماعية. يستتبع ذلك ، كما أكدت نقاشات في منتدى بيليم ( لا سيما تدخلات فرانسوا هوتار ، من أنصار لاهوت التحرير)، وضع القيمة الاستعمالية ، لا القيمة التبادلية، في المركز. وإذا اعتبر الاقتصاد ملكا مشتركا تطرح إذن مسألة التملك العمومي والاجتماعي لقطاعات الاقتصاد الأساسية ومسالة الديمقراطية والرقابة. ومن وجهة النظر هذه، يمثل تصريح اجتماع الحركات الاجتماعية، الذي يساند أهدافا من قبيل تأميم البنوك بلا تعويض وتحت رقابة العمال، وخفض وقت العمل دون خفض الأجور، وتطوير أشكال الملكية الاجتماعية، نقطة ارتكاز لتدخلنا.



تلكم جملة حجج محينة لتقديم مخرج من الأزمة مناهض للرأسمالية.



ولهذا نتيجة مزدوجة على صعيد الإستراتيجية:



أ‌) التركيز على التعبئة، وميزان القوى الاجتماعي لتلبية المطالب. إن التغيرات التي يقتضيها عمق الأزمة تستدعي انقلابات اجتماعية وسياسية من حجم استثنائي. يمكن أن تنعكس موازين القوى تلك على صعيد المؤسسات. ويمكن تحقيق إصلاحات جزئية. لكن سلوك الطبقات السائدة، المدافعة بشراسة عن مصالحها، يؤكد ذلك: حتى تحقيق إصلاحات جزئية يتطلب تعبئات اجتماعية واسعة.



ب‌) يتطلب تطبيق برنامج مناهض للرأسمالية حكومة معادية للرأسمالية، مستندة على تعبئة الطبقات الشعبية وتنظيمها الذاتي، تشرع في القطع مع النظام. يجب التحضير لهذا الهدف بتجارب جزئية للرقابة والتسيير الشعبي، وبمواجهات مع الدولة الرأسمالية. النضال من اجل هكذا حكومات متعارض مع مساندة – او مشاركة في- تحالفات برلمانية او حكومات تضطلع بتسيير الأزمة الرأسمالية كما تفعل الاشتراكية الديمقراطية أو يسار الوسط حاليا.



تعريب :جريدة المناضل-ة





1] هذا التقرير الأول صدر بمجلة انبريكور عدد ديسمبر 2008 ( عدد 543/544) وصدر بجريدة المناضل-ة عدد 22.



2] انظر بالانجليزية : Keynes reloaded ? – Keynes and Climate Change



3] راجع مقال ميشال هوسون« Le capitalisme vert est-il possible ? » في مجلة ContreTemps،عدد يناير 2009. + فرانسوا سابادو عضو المكتب التنفيدي للأممية الرابعة . وقد انتخب بالمجلس السياسي الوطني للحزب الجديد المعادي للرأسمالية في مؤتمره الأول في فبراير


عن موقع المناضلة

الاندماج الاقتصادي العربي عبر الإنماء المشترك لاكتساب موقع واعد في نظام العولمة
المؤتمرات النقابية في سورية
تمادي الطبقة الرأسمالية في اضطهاد العمال وحرمانهم من كثير من حقوقهم القانونية
المرسوم 49
ملاحظات عامة حول اللقاء والحوار بين الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال
الإعلان الأممي رقم ( 2 )/ترجمة :جلال نصر
ميثاق مبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي
إعلان ملتقى بيروت الدولي
المنتدى الاجتماعي الأوروبي، لندن – تشرين الأول أكتوبر 2004.
نداء الحركات الاجتماعيّة 2005
مقالات الشهر
ماذا عن "اليسار الراديكالي" في إسرائيل؟ / محمد حسني   [محمد حسني]
حول بناء المنظمة الثورية / علي المصري   [علي المصري]
عين على الولايات المتحدة : سيدات شاهدات على الجوع... بالكاميرا
تقرير حول الوضع العالمي: تبين الأزمة (القسم الثاني) / فرانسوا سابادو   [ فرانسوا سابادو]
الشعب الحزين يفتقد «إدوارده السعيد» الفشل المزدوج لعباس وحماس / سامي حسن   [سامي حسن]
ضوء الديموقراطية الخافت / أرونداتي روي   [أرونداتي روي]
هل هناك بديل لفوضى السوق؟ / سام اشمان
دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم
الديمقراطية العمالية / تيار الاشتراكيين الثوريين   [ تيار الاشتراكيين الثوريين]
بعد غولدستون: آن الأوان لحلّ السلطة تدريجيّاً / عمر البرغوثي   [ عمر البرغوثي]
دراسة حالة في سبيل الاشتراكية الثورية / أليكس كالينيكوس   [أليكس كالينيكوس]
اللينينية في القرن الحادي والعشرين/ تيار اللاشتراكيين الثوريين
العالم الثالث ديمقراطية أم ثورة اجتماعية؟
46 عامًا على 23 يوليو 1952.. الناصرية والتغيير / علي المصري   [علي المصري]
تعليقاً على تقرير التنمية الإنسانية العربية ... عـرب قيـد الدرس / نصري الصايغ   [نصري الصايغ]
دعاية شركة - سيلكوم - العنصرية / ريما كتانة نزال   [ريما كتانة نزال]
لماذا لا يتم استجواب الدردري في مجلس الشعب ؟ / نزار عادلة   [ نزار عادلة]
الحكومة السورية تتباهى بعمالتها الرخيصة .. !! / علي عبود   [علي عبود]
قمّة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى / بيان "أتاك" فرنسا   [أتاك فرنسا]
نعومي كلاين في فلسطين: أرفض التطبيع مع... الموت   [غالب كيوان]
بيار بورديو شاهداً على «بؤس العالم»/ ديمة الشريف
حوار مع البروفيسور ديفيد هارفي:الأزمة الماليّة العالميّة، النيوليبراليّة، الماركسيّة، الديمقراطيّة
عن الأزمة واليسار الأوربي ودعم المقاومة.. /اليكس كالينيكوس
احتفالاً بحياتنا العادية ،ضد ثلاثية فتشية السلعة، الكيتش، والبترودولار   [باسل السعدي]
إيران: غضب في مواجهة القمع وكبت الحريات / سيد عبد الرحمن   [سيد عبد الرحمن]
اضواء على تجارب اليسار   [غياث نعيسة]
المفكر الفرنسي جان بودريار   [المفكر الفرنسي جان بودريار]
الأزمة المالية العالمية: رؤية اشتراكية   [سامح نجيب/ مركز الدراسات الاشتراكية- مصر]
الاشتراكية أو البربرية ، دفاعا عن الماركسية الثورية/غياث نعيسه   [غياث نعيسة]
المنتدى الاجتماعي
هل المنتدى الاجتماعي العالمي مؤهل للنضالات الشعبية؟/سمير امين
البيان الختامى لمؤتمر القاهرة الدولى الخامس
المنتدى الاجتماعي العالمي والحركة البديلة من العولمة /سمير أمين
لاستقبال النشرة الدورية

:الاســــــم

 

:البريد الإلكتروني