طباعة اتصل بنا أرسل إلى صديق الرئيسية  
  من نحن
  وثائق الحركة
  مقالات
  أخبار
  أرشيف المقالات
  أرشيف نشرة البديل
  مفاهيم ومصطلحات
  حوارات
  مكتبة البديل
  مساهمات الزوار
  روابط
  اتصل بنا
  إرسال مساهمة
  ثقافة وفنون بديلة
أرشيف و مقالات الدكتور عصام الزعيم
صعود الصين وتحولها: الأبعاد والافاق /د.عصام الزعيم
نقد اقتصادي واستراتيجي للتقلب والارتداد في سياسات وقرارات الإصلاح في القطاع العام الصناعي* /د.عصام الزعيم
توحيد الاقتصادات العربية إنمائيا والفعل التناقضي للعولمة/د.عصام الزعيم
أرشيف مقالات النقابي عمر قشاش
البطالة واستيراد العمالة الأجنبية/عمر قشاش
ملاحظات عامة حول اللقاء والحوار بين الحكومة والاتحاد العام لنقابات العمال
المرسوم 49
الأوراق المقدمة للاجتماع الموسع للعام 2007
علي فرزات: الكاريكاتور فن معارض... والفكر الشمولي لا ينتج أي ثقافة تستحق البقاء! / محمد منصور
بقلم محمد منصور 0000-00-00

لا يحتاج رسام الكاريكاتور السوري المتميز علي فرزات إلى محاور محنك كي يستنطقه... ولا إلى صحافي يغريه بصخب الخبطات المثيرة كي يتجاوب معه... فما إن يبدأ إن يجد علي فرزات في محاوره الرغبة في الاقتراب منه حتى يزيل الحواجز، ويكسر القيود، ويفك ربطات العنق الوهمية... وما إن يلمس في أي سؤال رغبة في تفجير منابع الخوف حتى يمضي وإياه... مصوباً قفزاته وخطاه باتجاه الهدف بلا أي مداورة أو تحفظ.

وفي هذا الحوار الذي أزعم أنه الأكثر جرأة بين الحوارات التي أجريتها مع علي فرزات خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة التي عرفتها فيه... يقول علي فرزات كل ما لديه من مواجع وهموم... يتحدث عن الشارع السوري الذي عايشه منذ سبعينات القرن العشرين بكثير من العمق والصراحة، وعن مشروع صالته الجديدة لتقديم الفن الساخر في نفس موقع جريدة (الدومري) التي أغلقتها له السلطات السورية عام 2003، وهو لا يكاد يكرر شيء من أقواله على مدار الحوار سوى التأكيد على شرف الانتماء للناس باعتباره واحد منهم، وباعتبارهم الحامل والحامي الحقيقي لتجربته وفنه.. وبالمقابل يرسم صورة سوداء قاتمة للإعلام السوري الذي يفضح تناقضاته ومناوراته، مؤكداً أنه ليس الوحيد الذي ليس له مكان في هذا الإعلام... بل المواطن السوري أيضاً منبوذ في إعلام بلده!





أين هو علي فرزات الآن... بعد سنوات من إغلاق جريدة (الدومري) الساخرة التي أسستها، وانقطاعك عن رسومات الكاريكاتور في الصحف السورية؟

أنا مررت بفترة كمون أو استراحة محارب... فقد أحسست لفترة من الفترات أنه أسقط في يدي. ولا أخفيك أنه كانت هناك حالة من الانكسار، وامتدت هذه الحالة نحو ثلاث سنوات.. ولكن هذا لا يمنعني من التواصل مع الفضائيات والصحف خارج سورية، وإن كنت أعتبر أن جمهوري الأساسي هو جمهوري السوري الذي لم يبخل علي في الفترة الماضية من السؤال، وبث فيّ نوعاً من الحماس المستمد من حرارة الشارع. كثيرون كانوا يسألون: (شو صار معك أستاذ؟! أين الدومري؟ ليش سكرولك ياها... ليش ما عم ترسم؟!) هذه الأسئلة كانت بمثابة الأوكسجين بالنسبة لي، وهي التي دفعتني لأن أعود وأفكر بالتواصل مع الناس من جديد وبشكل آخر.

كيف؟!

أقوم حالياً بتجهيز صالة للفن الساخر تحت عنوان (صالة الدومري) في نفس مكاتب جريدة (الدومري) التي أغلقت، والتي كانت قائمة في شارع الباكستان بدمشق. هذه الصالة في الحقيقة كانت توأم مشروع جريدة (الدومري) لكن ظروف إنشاء الصحيفة حينها، وما كانت تتطلبه من متابعة وتفرغ واستنفار على كل الأصعدة أجبرتني على تأخير تنفيذ الفكرة... وعندما أغلقت لي الحكومة الجريدة... عدت للتفكير مجدداً بمشروع الصالة، ووجدت أنه سيشكل أسلوب تواصل جديد مع الجمهور... ففي هذه الصالة سنقدم جميع أشكال الفن الساخر من كاريكاتور ورسم وتصوير ضوئي وأفلام كارتون وصولا إلى أشكال الفن التطبيقي المختلفة، حيث سنستخدم وسائل الديكور، والتحف وأشكال الإضاءة والأدوات المنزلية والملابس الشبابية لإدخال رسومات وأفكار من فن الكاريكاتور عليها... وبالتالي سنسعى فيما لو نجحت التجربة- إلى تسويق ثقافة السخرية البصرية وجعلها في متناول الحياة اليومية للناس... وهذه الثقافة تتجسد في رسومات وأفكار جريئة سبق وأن حازت على جوائز عالمية، وهي تنطوي على قيم إنسانية حقيقية تنطلق من المحلي نحو العالمي.

ألا تخشى من خطورة هذه التجربة... وخصوصاً على صعيد تلقي الوسط الفني والثقافي لها... باعتبارك حولت الفن إلى سلعة كما سيقولون عنك؟!

أولا أنا لا أخشى كلام الشعارات والمزاودين... وهؤلاء الناس يعرفونهم ويعرفون فذلكاتهم وابتعادهم عن الواقع... أما إذا كنت تطرح السؤال باعتباره فكرة يجب أن تبحث فسأقول لك: اللوحة في الأساس تباع اليوم في سوق... ومع احترامنا لقيمة الفن والفنان... فهي في النهاية تباع وتشترى وتوضع في مزادات وتسرق لقيمتها المادية وليس لقيمتها الفنية فقط... إذن هذا يفند ادعاءات من يريدون النيل من التجربة مسبقاً... أما حالة التسويق التي تنطوي عليها هذه التجربة فلماذا نقبل أن يسوق ماكدونالد ثقافته الاستهلاكية... ولا نبادر نحن لاستخدام هذه الوسائل العصرية لتسويق ثقافة تطرح قيماً إنسانية وجمالية وفنية؟! أعتقد أن الحالة مشروعة جداً... ويجب أن نؤمن بها بلا عقد كي تنجح وتنتشر.. وأنا متفائل بأنني سأنتشر هذه المرة أفقياً في المجتمع، وهدفي الأساس هو الوصول إلى الناس وتقديم ثقافة نقدية ذات أبعاد إنسانية تخاطب وجدانهم... ومتفائل أيضاً بأن هذا سيحدث تفاعلاً بين الرسام والناس عبر هذه الأعمال التي ستقدم شكلاً ثقافياً جديداً على صعيد عملي كرسام كاريكاتور على الأقل.

هل أنت متفائل بالأفق الرقابي الذي يسمح لهذه التجربة بالانتشار؟!

نحن تعلمنا من تجربتنا الماضية أن نوصل رسالتنا بأي أسلوب وبأي طريقة... أي بالتحايل على الرقابة. ودعني أصارحك أن رسوماتي الكاريكاتورية التي اشتهرت بخلوها من التعليق والكلام لم تكن بالنسبة لي في البداية خياراً فنياً؛ بل تحايلاً على الرقابة ومحاولة للهرب من مقص الرقيب... فمن خلالها استطعت أن أقول الكثير من الأفكار الهامة وأن أصل إلى الناس، وأن أتبادل معهم شيفرات نقد الفساد وفضح القمع والسخرية على المزاودين. فيما بعد ترسخ هذا الأسلوب وعملت عليه كخيار فني لأنه قادني إلى أعمال ورسومات كاريكاتور عالمية تتكلم مع الجميع بلا لغة.

في تجربتي المقبلة أنا أعمل على موضوعات بعيدة عن الحدث اليومي أو المتغيرات الآنية... وعندما يتحدث الموضوع عن ثوابت وقيم راسخة مثل الحرية أو مقاومة القمع والديكتاتورية أو الحب... الحرب... الجوع... الظلم، فأنا لا أتهم شخصاً معيناً بل ممارسات وسلوكيات تتصل بجوهر هذه الثوابت الإنسانية، ولا أعتقد أن هناك جهة رقابية يمكن أن تقف في وجه هذا الخط لأن ذلك سيدينها؛ أما إذا كان الأفق الرقابي الذي سيحاكم تجربتي المقبلة، سينطلق من دوافع كيدية، فهذا أمر آخر!

وعموماً هذا السؤال سبق أن طرح علي بقوة عندما كنت أصدر جريدة (الدومري)... كان كثيرون يسألونني: هل ستسمر الجريدة أم لا؟! وكنت أجيب: لا أعرف إذا كانت ستصدر الأسبوع القادم أم لا... فنحن نعمل بلا ضمانات ولا قانون يحمينا.

الآن أنا حصلت على رخصة للصالة، ولا أعتقد أن من السهل إغلاق صالة فنية فكرية بمضامين إنسانية. أنا ليس لدي دكان للتشهير ولا للتطبيل والتزمير فلماذا يتعرضون لي؟ لماذا يتعرضون لصالة تضم رسومات وفنون تحمل ملامح معاناة الإنسان العربي والعالمي في عصرنا اليوم؟! لا أعتقد أن ذلك وارداً.

تعتقد أن جمهورك الأساسي، جمهورك الذي يعنيك وتحرص على التواصل معه، هو الجمهور السوري... لكن رسوماتك تغيب عن الصحف اليومية السورية في السنوات الأخيرة... لماذا لم يعد لك مكاناً في الصحافة السورية؟!

ليس أنا فقط لم يعد لي مكان في الصحف السورية، بل المواطن السوري أيضاً ليس له مكان وهو منبوذ في صحفهم... هذه صحافة للتصريحات الرسمية، لتغطية الاجتماعات والصفقات، للبذخ والترف من جيوب دافعي الضرائب، وبالتالي هذه الجرائد أصبحت مزرعة خصبة لمن يريد التسول من خلالها سواء رسمية أو خاصة، وأصبحت هناك فلل وقصور لمسؤولين بنيت على أكوام هذه الجرائد والمرتجعات التي أصبحت أعلى بكثير من الطوابق العالية لهؤلاء. وقد اتصل بعض مسؤولي التحرير في صحيفتي (تشرين) و(الثورة) العام الماضي، وطلبوا مني العودة إلى زاويتي المعهودة تحت شعار (طي صفحة الماضي) وإعطائي المال الذي أريد... ورغم أنني كنت أعرف أن هذا الطلب كان متضمنا بمصلحة خاصة لدى رؤساء التحرير، تتلخص في زيادة كمية طباعة كل صحيفة على حدة للتباهي لا أكثر، مستغلين اسمي في ذلك... فقد تجاوبت معهم، ودهشت لأن كل صحيفة كانت تدفع لي أكثر من الثانية... أما أنا فقد أجبتهم بأني لا أطلب مالاً ولا أريد مكافأة، وكل ما اشترطه لأعود هو نشر مجموعة الرسوم التي أرسلتها لهم على سبيل الاختبار... إلا أنني فوجئت بعد فترة أن الرسوم لم تنشر، وأن الرقابة لا تسمح فقلت لهم: إن رقابة الجمهور علي أقسى من رقابة الأمن عليكم... الجمهور ليس معتاداً أن يرى في رسوماتي نصف أو ربع علي فرزات... أما الرسوم السياحية التي تطلبونها فهناك الكثير من بائعي البسطات لديهم الاستعداد الكامل كي يرسموها لكم!

ثمة حالة سكونية في الشارع السوري... إحباط وتثاؤب وجمود... هل مازال الشارع السوري برأيك منجماً خصباً لرسامي الكاريكاتور؟!

إن صراع المواطن السوري من أجل البقاء والحياة والالتزام بالقيم والدفاع عن صورته كإنسان مسكون بهاجس التقدم والبناء في أحلك الظروف، يبقى منجماً لا ينضب لفن الكاريكاتور بالنسبة لي، ولمضامين هذا الكاريكاتور... والشارع السوري منحني على الدوام جزءاً من ملامحه وتجربته ومعاناته اليومية كي أصنع منها فناً جريئاً يحمل الكثير من العمق الإنساني والصراع الحي المثير للإعجاب... فأنا كنت مرآة تنقل ملامح وتجارب وآلام الناس، وكنت واحداً منهم، أعيش نفس المشاكل والوجع، لكن ما ميزني عنهم فقط أن لدي موهبة الرسم.. وبالتالي استطعت أن أعبر عنهم لأنني غمست ريشتي بألوان وخطوط حياتهم.. فالفن الساخر ينطلق أساساً من حالة التعاطف مع هموم الناس أكثر من أي فن آخر... وأنا أفهم الكاريكاتور بأنه أشبه برغيف ساخن، في حين يظنه الآخرون قطعة (كرواسان) أو (إسكالوب) تقدم لجمهور خاص يتردد على الصالات الأنيقة بنفس ربطات العنق واللحى والتنظيرات!

هل وجدت نتيجة لما قدمته في هذا السياق وضمن هذا المنظور؟!

بالتأكيد... الناس وقفت معي في أكثر من أزمة مررت بها... وقد شعرت بهذا عندما أغلقت لي الحكومة جريدة (الدومري) على الخصوص... حيث لم تكتف الحكومة بإغلاق الصحيفة وإصدار قرار هو الأسرع في تاريخ الإعلام السوري بإلغاء الترخيص، بل دفعوا بأزلامهم لمهاجمتي في الصحف الرسمية، ونشرت عني صحيفة (تشرين) صفحة كاملة أثناء الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق عام 2003، قالت فيها إنني بعت دم ودموع أطفال العراق بالبترو دولار، لأنني نشرت بعض الرسوم التي تهاجم نظام صدام... علماً أن هذه الرسوم نفسها كنت قد نشرتها في الصحف السورية عام 1990 عندما كانت تقف سورية مع أمريكا فيما عرف بـ (عاصفة الصحراء) أو (حرب تحرير الكويت) فاعتبرت حينها بطلاً وفناناً ووطنياً، بينما تم تصويري عام 2003 كخائن. وقد أرسلت رداً للجريدة مزوداً بتواريخ نشر الرسومات نفسها عن طريق محام أدافع فيه عن نفسي وسمعتي، فرفضوا نشره... لأنهم لا يقيمون وزناً لمصداقية جريدة أو رأي قارئ يمكن أن يكون حكماً بيننا... وقد ظننت للوهلة الأولى بعد كل ما حدث أن دمي أهدر، وسمعتي شوهت، وبقيت وحيداً إلا من بعض الأصدقاء... وصار عندي (فوبيا) من هذا الطبل الإعلامي الموجه عبر أدوات رخيصة ظنت نفسها (أقلاماً) لكنني سرعان ما اكتشفت أن الشارع وقف معي... وقد قال لي كثيرون: (لا يهمك أستاذ... لا أحد يصدق الإعلام السوري لا في الداخل ولا في الخارج... ونحن نعرفك ونعرف تاريخك) وقد وردتني إلى جريدة (الدومري) قبل إغلاقها الكثير من الرسائل نشرت بعضها ومنها: (لا نسمح أن تقصفوا علي فرزات إعلامياً... وهذه الرسومات التي خوّنتموه بسببها منشورة في 'تشرين' و'الثورة' بتاريخ كذا... وكذا...) وقد كرمني بعض الناس إلى درجة أكبر مما استحق حين قالوا إننا نحفظ رسومك كما نحفظ قصائد نزار قباني.. ومؤخراً أخذ مجموعة شباب وبنات في مدينة اللاذقية عددا من أفكار رسوماتي ولوحاتي وصنعوا منها عرضاً مسرحياً انتقادياً بعنوان (كاريكاتير) جالوا به في اللاذقية وإدلب ودمشق حيث عرض على مسرح القباني، وحظي بإقبال طيب.

وانطلاقاً من هذا كله، فقد جاءتني دعوات كبيرة للعمل في الخارج... وقد ترددت في البداية في مسألة قبولها، لكنني سرعان ما حسمت أمري وقررت البقاء هنا. وسألني الكثير من الأصدقاء لماذا لم تذهب، فقلت إنني لا أدير ظهري للناس الذين وقفوا بجانبي... وإنني أصبحت رساماً معروفاً بسبب هؤلاء الناس... هذه جينات... وهذا قدر... قدرنا أن نكون هكذا وهنا. وفي النهاية هذا التفاعل الحقيقي بينك وبين الناس هو الذي يحميك ويلهمك ويوصلك ويبث فيك الحماس... لكن لا يجب أبداً أن يفكر أحدهم أن يبيع هؤلاء الناس... لأنهم مثلما ساهموا في صعوده فسينزلوه بسهولة... وإذا نزل فلن يصعد مرة أخرى!

أنت ترسم الكاريكاتور منذ سبعينيات القرن العشرين... ولو عدنا إلى رسوماتك لوجدنا فيها رصداً جريئاً لهواجس وهموم الشارع السوري... برأيك هل تغيرت هذه الهموم اليوم؟!

ثمة هموم أساسية لم تتغير مثل الوساطة والمحسوبيات ومظاهر استغلال السلطة لدى الكثير من المتنفذين... وثمة هموم تغيرت أشكالها لكن المضمون لم يتغير كما نرى في حالات الفساد التي تطورت أشكالها وطرقها واتسعت مجالاتها... وثمة أمراض جديدة ظهرت كتراجع الاهتمام بالشأن السياسي العام لدى شريحة الشباب، واضمحلال دور الجامعة كقوة تغيير أو تنوير. وفضلا عن هذا كله، هناك حالة مؤلمة تشغلني جداً، وهي انهيار القيم والثوابت التي كنا نحتكم إليها في العلاقات الاجتماعية والأخلاقية... كان هناك (بوصلة) نهتدي بها، كانت الرشوة أمراً مشيناً لأن العرف الاجتماعي يتعامل معها من هذا المنظور... كان النفاق شتيمة، وكان الناس ينظرون للمنافق في أي محفل باشمئزاز.. اليوم كل هذه القيم تغيرت، وبقي القانون الذي كان يعاقب ويجرّم ويدين بناء عليها... لذلك أنا أدعو لتغيير القانون من أجل أن يستوعب هذه القيم الجديدة، حيث تحول الإنسان إلى رقم، والفساد إلى مجال للافتخار، وصار الواقع أكثر سفالة لأن مرجعيته صارت قيماً سافلة... وهذا كله لم يكن متروكاً للصدفة، كانت هناك مافيات تكرس هذا الفساد في المجتمع والسياسة والفن والحياة وهناك خلخلة لقيم الأسرة وقيم الإنسان المنتج الذي يحارب كي لا يجوع، وكي لا يبيع ضميره لا أكثر ولا أقل!

هذه الرؤية الحادة التي تتحدث بها ما هي مرجعياتها... بمعنى من أين يأتي علي فرزات بكل هذا الحس المعارض؟!

أنا لا أنتمي لحزب، ولا أتحدث باسم جماعة... أنا أنتمي لفن الكاريكاتور... والكاريكاتور فن معارض... لأن مجاله هو الحديث عن الأخطاء، وتضخميـــها أحياناً من أجل أن يراها المعنيون ويشعروا بوطأتها على الشارع والناس. الكاريكاتور فن يفضح الصورة الزائفة التي ينقلها المتملقون عن الشارع إلى هرم السلــطة، وهو أشبه ما يكون برجل شعبي بسيط يقتحم موكباً رسمياً رفيعاً، فيخرق البروتوكول من أجل أن يوصل صرخة أو مظلمة.. ولهذا لا يمكن لفن الكاريكــاتور إلا أن يكون معارضاً سياسياً، وليس من الممكن لهذا الفن أن يتصالح مع أي نظام سياسي قائم... وأساساً أي نظام يريد أن يستمر يجب أن يكون هناك طرف آخر ينتقده، يزعجه، يريه أخطاءه ويدفعه تحت وطأة الفضيحة إذا لزم الأمر- أن يصححها. هذا مهم جداً. الفكر الشمولي لا ينتج أي فن أو ثقافة أو حضارة تستحق البقاء، وحتى لو أنتج شيئاً من هذا بقوة الحديد والنار، فكل شيء سينهار ولن يبقى شيئاً للتاريخ!

بعيداً عن حالة المعارضة... كيف تفهم السياسة كفنان كاريكاتور؟!

السياسة فن الممكن والمصالح، والفن حالة مبدأ تنطوي على أعلى درجات الالتزام الإنساني والأخلاقي... وأعتقد أنهما لا يلتقيان. لكن أنا أجد في السياسة مادة للنقد لا أكثر... مادة لإظهار أثر السياسة على حياة الناس وثقافتهم وقيمهم. وتحكمني علاقة نقدية حادة مع الموضوع السياسي... وخصوصاً ذاك الذي يمس علاقة الناس بالسلطة، بكل ما تنطوي عليه هذه العلاقة من حالة تظاهر أو كذب شعاراتي أو تلاعب بمصائر الناس من أجل تحقيق مصلحة شخصية.

ما هي أكثر الموضوعات التي كانت تشكل حالة صدام بينك وبين الرقابة؟!

الموضوعات التي لها علاقة بالعسكر والديكتاتورية والقمع المتمثل برجال المخابرات... والطريف أن هذه الموضوعات كانت تثير معظم الرقابات العربية في معظم البلدان؛ مع أنني لم أرسم يوماً ما يتطابق مع رمز قطري معيّن... فأنا كنت أتخذ من الزي العسكري العام، بملامحه العامة رمزاً لكل ما هو قمعي... ومن أشهر رسوماتي في هذا السياق لوحة الجنرال الذي يصب أوسمة للجياع من قدر طعام كبير أمامه. هذا خلق لي مشكلة كبيرة، ففي سورية رفع وزير الدفاع السوري السابق العماد مصطفى طلاس قضية ضدي أمام القضاء العسكري، ادعى فيها أن هذا الرسم فيه إهانة للجيش وغرمت بخمسة ملايين ليرة غرامة وسنة سجن... إلا أن العفو الذي صدر حال دون تنفيذ هذا الحكم. وفي مصر عندما نشرت مجلة (الأهرام العربي) هذا الرسم منع العدد من التوزيع في ليبيا. وفي باريس تلقيت تهديداً من السفير العراقي أيام حكم صدام، لأنه اعتبر أنني أقصد صدام حسين بهذا الرسم، وطالبني برفعه من معرضي في باريس... وفي الأردن، فوجئت أنني كنت ممنوعاً من الدخول، وأن قرار المنع ألغي قبل سنة فقط. والشيء الذي لم يخطر على بالي فعلاً أنني دعيت من أشهر للمشاركة في لجنة تحكيم مهرجان صلالة... ثم فوجئت أنني موضوع على اللائحة السوداء في المطار. انظر كم هو مؤثر فن الكاريكاتور... وهناك كاريكاتيرات أحدثت هزات في العالم وخلقت ما يشبه الزلزال... ناجي العلي دفع حياته ثمناً للكاريكاتور، وستيف بل رسام 'الغارديان' أسقط حكومة جون ميجر... وعلى العموم كان على كل رسام قضية أن يدفع الثمن... وأحياناً كان الثمن غالياً!

وماذا عن الرقابة الاجتماعية... هل واجهتك مشكلات رقابية مصدرها احتجاج أو اعتراض المجتمع؟!

بالطبع وخصوصاً مع المتشددين الإسلاميين الذين أسميهم بـ(الظلاميين) وقد رسمت مرة أمير جماعة متشددة يركب على ظهر انتحاري، وهذا الانتحاري يسير به سعياً وراء قائمة معلقة على ظهره على طريقة (العصا والجزرة) وقد كتب عليها: حور عين.. خمر.. غلمان! وأمير الجماعة يسوق الانتحاري بهذه الوعود نحو الأهداف التي يحددها الراكب!

هذا الرسم أثار المتشددين في الكويت عندما نشرته جريدة (الوطن) الكويتية، فتظاهروا أمام مقر الجريدة معتبرين الرسم يشكل مساساً بمفهوم (الجنة) من ناحية دينية.. لكن بالنسبة لي أنا كنت واعياً لهذه المسألة، فأنا رسمت انتحاري بلحية مستعارة، وأكدت على مفهوم اللحية المستعارة كي أميز بينه وبين الإسلام الصحيح الذي وضع شروطاً للجهاد واضحة للجهاد. وقد كتبت الصحيفة في الصفحة الأولى رداً على الحملة التي تعرضت لها بسبب هذا الرسم: نحن نتهم أصحاب اللحى المستعارة فهل أنتم منهم؟! وبالطبع لم يجرؤ أحد أن يقول نعم نحن منهم!

دائماً عندي مفتاح خاص في كل لوحة... وأنت كقارئ تأخذ هذا المفتاح وتفتح دهاليز الفكرة كي تفهمها من الداخل، وكي أميز بين الأصيل والمزيف في الظواهر والأشياء.

هل هذا موقف خاص من اتجاه إسلامي معين؟!

سأقول لك بصراحة... أنا ضد الإسلام السياسي بأي شكل من الأشكال... وأنا ضد كل المليشيات الدينية من كل الطوائف. ولهذا تعرضت للانتقاد من قبل المليشيات الإيرانية في العراق، وثمة من اتهمني بأني ضد الشعب الفلسطيني لأنني رسمت روبوت له لحية مستعارة، ويد بذات كم أسود تضع قطعة معدنية في فتحة أعلى الرأس فيبدأ هذا الروبوت برش الطلقات!

كيف تنظر إلى الحركة الثقافية السورية هذه الايام؟!

نحن في سورية اعتدنا أن ننتشر في جميع أنحاء العالم بهوية إبداعية معروفة ومميزة... هوية تجمع بين صلابة الموقف والإخلاص في العمل، والدأب في الإنجاز... وكل هذه القيم كنا نتعلمها ونعيشها داخل سورية ثم نحملها معنا إلى الخارج... الآن نحن نفتقد هذا الشيء في الداخل، وصار على السوري كي يبدع أن يبحث عن فرصة عمل في الخارج؛ فالحياة الثقافية السورية اليوم عبارة عن حظائر مرسومة وخالصة.. ويجب على من يريد أن يبدع أن ينتمي لهذه الحظائر إما سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً. هناك عصابات ولا توجد أي قيمة إنتاجية بارزة في الحركة الثقافية السورية، لأنه إذا كان المبدأ السائد: إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا... فلن تكون هناك ثقافة. ولذلك تراجع اهتمام الناس وانصرفوا للبحث عن سبل العيش بدل الانشغال بثقافة مغشوشة!

ما هو الأثر الذي يمكن أن يتركه علي فرزات في ذاكرة السوريين ذات يوم برأيك؟!

أنا مرتبط بوطني وأناسي... أتنفس هواء بلدي وشمسه ولا أعرف كيف أخرج منه أو استبدله مهما كان المغريات. وأنا في النهاية لست سياسياً ولكن تحكمني أخلاقيات وطنية بعيداً عن السياسة... وربما سأترك هذه الأخلاقيات، وأطياف الابتسامة الساخرة المرة التي طالما رافقت رسوماتي!

القدس العربي

"الفنون الشعبية" الفلسطينية: رقص متمرد
معرض يحكي قصة صورة البطل الثائر تشي غيفارا وتمظهراتها في زمن المقاومة والعولمة
الجنرال في متاهته : وحدة الشعوب بين مطرقة الاستعمار وسندان التجزئة
نداء مرسيل خليفة إلى فناني اليونسكو للسلام وكل فناني ومبدعي العالم
من هندريكس إلى مانو تشاو... «وودستوك» مستمرّ والأغنية تقاوم
احتفالية لجون بيلجر: الفيلم التسجيلي السياسي والبحث عن الحقيقة: رحلة اربعين عاما في توثيق فظائع السياسة الخارجية الامريكية من تيمور الشرقية وكمبوديا الي فلسطين وفنزويلا
باماكو : فيلم يقيم محكمة هزلية للبنك الدولي والعولمة والهجرة غير الشرعية في ساحة بيت
جئنـا لنعلـن الحـب
وطنَ الهمبرغر... أنا هنا!/أمل الأندري
مقتطفات من حوار غير منشور مع ادوارد سعيد
مقالات الشهر
ماذا عن "اليسار الراديكالي" في إسرائيل؟ / محمد حسني   [محمد حسني]
حول بناء المنظمة الثورية / علي المصري   [علي المصري]
عين على الولايات المتحدة : سيدات شاهدات على الجوع... بالكاميرا
تقرير حول الوضع العالمي: تبين الأزمة (القسم الثاني) / فرانسوا سابادو   [ فرانسوا سابادو]
الشعب الحزين يفتقد «إدوارده السعيد» الفشل المزدوج لعباس وحماس / سامي حسن   [سامي حسن]
ضوء الديموقراطية الخافت / أرونداتي روي   [أرونداتي روي]
هل هناك بديل لفوضى السوق؟ / سام اشمان
دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم
الديمقراطية العمالية / تيار الاشتراكيين الثوريين   [ تيار الاشتراكيين الثوريين]
بعد غولدستون: آن الأوان لحلّ السلطة تدريجيّاً / عمر البرغوثي   [ عمر البرغوثي]
دراسة حالة في سبيل الاشتراكية الثورية / أليكس كالينيكوس   [أليكس كالينيكوس]
اللينينية في القرن الحادي والعشرين/ تيار اللاشتراكيين الثوريين
العالم الثالث ديمقراطية أم ثورة اجتماعية؟
46 عامًا على 23 يوليو 1952.. الناصرية والتغيير / علي المصري   [علي المصري]
تعليقاً على تقرير التنمية الإنسانية العربية ... عـرب قيـد الدرس / نصري الصايغ   [نصري الصايغ]
دعاية شركة - سيلكوم - العنصرية / ريما كتانة نزال   [ريما كتانة نزال]
لماذا لا يتم استجواب الدردري في مجلس الشعب ؟ / نزار عادلة   [ نزار عادلة]
الحكومة السورية تتباهى بعمالتها الرخيصة .. !! / علي عبود   [علي عبود]
قمّة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى / بيان "أتاك" فرنسا   [أتاك فرنسا]
نعومي كلاين في فلسطين: أرفض التطبيع مع... الموت   [غالب كيوان]
بيار بورديو شاهداً على «بؤس العالم»/ ديمة الشريف
حوار مع البروفيسور ديفيد هارفي:الأزمة الماليّة العالميّة، النيوليبراليّة، الماركسيّة، الديمقراطيّة
عن الأزمة واليسار الأوربي ودعم المقاومة.. /اليكس كالينيكوس
احتفالاً بحياتنا العادية ،ضد ثلاثية فتشية السلعة، الكيتش، والبترودولار   [باسل السعدي]
إيران: غضب في مواجهة القمع وكبت الحريات / سيد عبد الرحمن   [سيد عبد الرحمن]
اضواء على تجارب اليسار   [غياث نعيسة]
المفكر الفرنسي جان بودريار   [المفكر الفرنسي جان بودريار]
الأزمة المالية العالمية: رؤية اشتراكية   [سامح نجيب/ مركز الدراسات الاشتراكية- مصر]
الاشتراكية أو البربرية ، دفاعا عن الماركسية الثورية/غياث نعيسه   [غياث نعيسة]
المنتدى الاجتماعي
هل المنتدى الاجتماعي العالمي مؤهل للنضالات الشعبية؟/سمير امين
البيان الختامى لمؤتمر القاهرة الدولى الخامس
المنتدى الاجتماعي العالمي والحركة البديلة من العولمة /سمير أمين
لاستقبال النشرة الدورية

:الاســــــم

 

:البريد الإلكتروني