«العادلون» ساهموا في إنقاذ يهود من البربريّة النازيّة، في الحرب العالميّة الثانية. واللقب يليق بالأكاديمي الأميركي نورمان فنكلستين الذي يتصدّى لبربريّة أخرى، رافضاً أن يكون شاهد زور على جريمة منهجيّة في مكان بعيد عن أوروبا. فنكلستين المدافع عن القضيّة الفلسطينيّة، هو أحد أولئك العادلين. أليس الرجل ابن المحرقة ووريث ذاكرتها الفظيعة؟ ينحدر نورمان من عائلة يهوديّة في «غيتو وارسو»، ذاقت طعم معسكرات الموت. أمّه وأبوه أفلتا من الكابوس، وهاجرا إلى «العالم الجديد» حيث أبصر النور مواطناً أميركيّاً.
في كنف أمّه المسكونة بهاجس العدالة، ترعرع هذا «الراديكالي الأميركي» حسب عنوان الفيلم الذي تشاهده بيروت الليلة في افتتاح مهرجان DocuDays (راجع المقالة أعلاه) مباشرة بعد عرضه العالميّ الأوّل في «شيكاغو أندر غراوند». وعن أمّه، ورث نزوعاً لا يعرف مهادنة، إلى الوقوف ضدّ الظلم. من هنا انطلق في مشروع تفكيك بنية الخطاب الصهيوني وآلته الايديولوجيّة والدعائيّة في أميركا: تلك القائمة على «الابتزاز»، والتضليل، واستغلال المحرقة لتوطيد شرعيّة إسرائيل، وتبرير جرائمها المتواصلة، وتصوير الجلاد في مظهر الضحيّة.
إنّه ابن تلك المحرقة، كما يتردّد دائماً عند تقديم صاحب «صناعة الهولوكوست» (بالعربيّة عن «دار الآداب») الذي تجرّأ على المحظور، وكرّس فكره وحياته لإدانة خطاب الترويج لسياسة المحو والإبادة التي اقترنت بقيام إسرائيل. والليلة، سيكون بوسع قرّائه أن يكتشفوه عن قرب، في فيلم «محاكمة نورمان فنكلستين». الأميركيّان
نورمان فنكلستين فاضحاً أكاذيب الدعاية الصهيونية
نيكولاس روسييه ودايفيد ريدغن يقدّمان لنا بورتريهاً أميناً للرجل: يرافقانه في أسفاره ومعاركه، ينبشان الأرشيف، يعطيان الكلمة لمؤيديه (نعوم تشومسكي)، ولمعارضين يعتبرونه متهوّراً كارهاً ليهوديّته وساعياً إلى رواج شبيه بالـ«شوها بيزنس» الذي يدينه... نكتشف نورمان فنكلستين في لحظات بوح وتأمّل، أو جلسات نقاش حامية. جدليّ ونقدي وقاطع في مواقفه. يردّ في مدرج جامعي، على متداخلة أرادت إحراجه بالمحرقة... يجول على جامعات أوروبا وأميركا واليابان، يقفز بين الندوات والاستوديوهات، وصولاً إلى «المستقبل» حيث تستضيفه نجاة شرف الدين. في مخيّم شاتيلا، برفقة زميلنا سماح إدريس، مترجمه وناشره وصديقه، يعلن: «حزب الله يحمل لنا الأمل». ونكتشف معاناته وعزلته في أميركا، حيث الاصطدام بالخطاب المهيمن، يكلّف ثمناً باهظاً. لقد رفضت جامعة «دي بول» ترقيته وتثبيته في الملاك، بعدما فضح الانتحال في كتاب الداعية الصهيوني ألن ديرشوفيتز. يسطو صاحب The Case For Israel على استشهادات من كتاب بروباغندا صهيوني شهير، هو «في قديم الزمان» لجوان بيترز. وكان فنكلستين قد عرّى أكاذيب مؤلفته خلال الثمانينيات، في أطروحته الجامعيّة...
جريدة الأخبار